اليوم العالمي للصرع لعام 2025 - دعوة إلى تحسين إتاحة الرعاية في إقليم شرق المتوسط

13 شباط/ فبراير 2025، القاهرة، مصر - مع احتفال العالم باليوم العالمي لسرطان الأطفال، في 15 شباط/ فبراير، تُسلّط منظمة الصحة العالمية الضوءَ على التحديات التي يواجهها الأطفال المصابون بالسرطان في البلدان المتضررة من النزاعات وحالات الطوارئ.
ففي لبنان والأرض الفلسطينية المحتلة والجمهورية العربية السورية واليمن وأنحاء أخرى من إقليم شرق المتوسط، لا يواجه الأطفال الذين يصارعون السرطان الحقائق الأليمة لمرضهم فحسب، بل يواجهون كذلك الصعوبات المتفاقمة الناجمة عن الصراع والنزوح ومحدودية فرص الحصول على الرعاية الصحية.
ويُعدُّ سرطان الأطفال أحد الأسباب الرئيسية لوفاة الأطفال على الصعيد العالمي. وتشير التقديرات إلى تشخيص نحو 400000 حالة إصابة جديدة كل عام. وفي حين تحسنت معدلات البقاء على قيد الحياة تحسُّنًا كبيرًا في البلدان ذات الدخل المرتفع، فإن الوضع لا يزال مُزريًا للعديد من الأطفال في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط حيث تكون فرص الحصول على خدمات التشخيص والعلاج وخدمات الدعم محدودةٌ للغاية في كثير من الأحيان.
وتعمل منظمة الصحة العالمية مع الحكومات والأطراف المعنية الأخرى للتصدي لهذه التحديات، ولكن الوضع لا يزال حرجًا في إقليم شرق المتوسط حيث تسببت النزاعات وأزمات اللاجئين المستمرة في حرمان العديد من الأطفال المصابين بالسرطان من الحصول على العلاجات المُنقذة للحياة التي يحتاجون إليها. فالمستشفيات مثقلةٌ بالأعباء، وهناك نقصٌ في الطواقم الطبية، كما أن كثيرًا من مرافق الرعاية الصحية قد لحق بها الضرر أو الدمار.
وفي غزة، يلزم إجلاء مئات الأطفال إلى البلدان المجاورة لتلقي العلاج المنقذ للحياة، ومع ذلك، لم يحصل على الموافقة على الإجلاء مع مُرافقٍ إلا 10 فقط من أصل 405 طفلًا مصابًا بالسرطان كانوا قد أُحيلوا إلى مرافق لطب الأطفال خارج غزة بعد اندلاع الحرب في تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وفي بعض الحالات، تُوفِّي الأطفال قبل الحصول على الموافقة.
ويتضح أثرُ النزاعِ أيضًا، لا سيّما على المجالات التي لا تحظى بالأولوية الكافية مثل سرطان الأطفال، في البلدان التي تشهد حالات طوارئ ممتدة. ففي ليبيا، على سبيل المثال، هناك نقصٌ حادٌ في اختصاصيي الأورام المدربين، حيث لا يوجد سوى 0.82 اختصاصي أورام و0.2 اختصاصي علاج أورام بالإشعاع لكل 100000 شخص، وهذا يحول دون حصول العديد من الأطفال على الرعاية المنقذة للحياة.
ويؤدي النزاع إلى تعطيل سلاسل الإمداد، وينتج عن ذلك نقصٌ متكررٌ في الأدوية الأساسية لعلاج السرطان. ويمكن أن تتسبب حالات التعطُّل هذه في وفاة الأطفال، إذ يؤدي انقطاع العلاج إلى انخفاضٍ كبيرٍ في معدلات البقاء على قيد الحياة. وفي بعض المناطق، توقفت خدماتٌ حيويةٌ مثل زرع نخاع العظم بسبب تَعَطُّل الأجهزة، ما أدى إلى تقليص الخيارات المتاحة للمرضى.
وتركِّز منظمة الصحة العالمية وشركاؤها على تحسين إتاحة رعاية سرطان الأطفال في المناطق المتضررة بالنزاعات في إقليم شرق المتوسط. فمن خلال توفير الإمدادات الطبية ودعم نُظُم الرعاية الصحية المحلية وتدريب العاملين في مجال الرعاية الصحية، تعمل المنظمة على ضمان عدم تعرّض أي طفل للوفاة بسبب انعدام الرعاية أو نقص الموارد.
وقال الدكتور أزموس همريتش، مدير إدارة الأمراض غير السارية والصحة النفسية بالمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط: «من أجل التصدي لاستمرار تعطُّل خدمات سرطان الأطفال في السياقات الإنسانية، يُقتَرح إطلاق مبادرة بالغة الأهمية تتمثل في إنشاء وحدات متخصصة لعلاج السرطان في المناطق التي تتعرض فيها البنية الأساسية للرعاية الصحية للخطر. وتعمل المنظمة أيضًا على إنشاء عيادات متنقلة تستطيع الوصول إلى الأطفال النازحين في المناطق النائية أو التي يصعب الوصول إليها، وتقديم الدعم النفسي للأطفال وأسرهم".
وفي مواجهة هذه التحديات، فإن الجهود العالمية الرامية إلى تعزيز رعاية الأطفال المصابين بالسرطان تبعث على الأمل. وتُعدُّ المنصة العالمية لإتاحة أدوية سرطان الأطفال، التي يجري تجريبها حاليًا في الأردن وستُنَفَّذ قريبًا في باكستان، خطوةً كبيرةً إلى الأمام نحو ضمان سلاسة توفير إمدادات الأدوية الأساسية للأطفال المصابين بالسرطان. وقد أدى التعاون بين المنظمة ومستشفى سانت جود لبحوث الأطفال - في إطار المبادرة العالمية التي أطلقتها المنظمة بشأن سرطان الأطفال - إلى تسليط الضوء على رعاية الأطفال المصابين بالسرطان، ودفع عجلة التحسينات في 10 بلدان في جميع أنحاء الإقليم. وهذه المبادرات ضرورية لسد الثغرات في إتاحة العلاج وتحسين حصائل البقاء على قيد الحياة.
وقد صدر بيانٌ عن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، الدكتور تيدروس أدحانوم غيبريسوس، بشأن تحسين رعاية مرضى السرطان في الفئات السكانية المتضررة من النزاعات، تَضَمَّنَ عَرضَ نُهُج استراتيجية لضمان تحقيق حصائل أكثر إنصافًا للمرضى وأُسَرِهم، بما في ذلك تشكيل فريق عامل مُخصَّص لوضع تدخلات قابلة للتنفيذ تحافظ على رعاية مرضى السرطان.
وتحثُّ التوصيات السبعة الرئيسية الواردة في البيان البلدانَ على النهوض باستراتيجيات ونماذج رعاية شاملة لمرضى السرطان في الأوضاع الإنسانية، والتصدي للصعوبات التي تنطوي عليها الكيانات المعنية بأمراض السرطان، والمتطلبات المحددة للرعاية المُلطّفة، وتباين احتياجات مختلف الفئات العمرية، مثل الأطفال المصابين بالسرطان واضطرابات الدم، وتبادل أفضل الممارسات والتوصيات المستجدة، وإدماج هذا المحتوى في تقارير المنظمة ذات الصلة مثل تقرير المنظمة عن حالة السرطان في العالم لعام 2025، وجعل رعاية السرطان ركيزةً أساسيةً في خُطط الاستجابة للطوارئ في جميع أماكن النزاعات.
بيان المديرة الإقليمية خلال الإحاطة الصحفية بشأن حالات الطوارئ في إقليم شرق المتوسط
26 حزيران/يونيو 2024
مرت أربعةُ أشهر تقريبًا على عقدنا أولَ إحاطةٍ صحفيةٍ بشأن الطوارئ الصحية منذ أن توليت منصبي، ولم أكن أتوقع آنذاك هذا التصاعدَ الشديدَ للعنفِ في إقليمنا. فلقد اشتدَّ الموقفُ سوءًا وازدادت الحالةُ قسوةً، في حين لا تزالُ المساعداتُ المُنقِذةُ للحياةِ أمرًا بعيدَ المنالِ بالنسبةِ إلى كثيرينَ ممن تعتمد حياتهم على تلك المساعدات.
إن الأزمةَ الصحية في غزة آخذة في التصاعدِ وصولاً إلى مستويات مروعة. فلقد اضطرَّ أكثرُ من مليونِ شخصٍ في رفح إلى النزوح مرة أخرى، وذلك منذ أوائل أيار/ مايو. وباستثناء مستشفى ميداني تابع للَّجنة الدولية للصليب الأحمر، فإنه لم تعد في رفح أي مستشفيات عاملة. وعلاوة على ذلك فإنه يوجد عشرةُ آلافِ شخصٍ على الأقل عالقون داخل غزة بينما هم في حاجةٍ ماسَّةٍ إلى عمليات الإجلاء الطبي، وذلك على الرغم من أن العديد من البلدان في جميع أنحاء العالم مستعدة لتقديم المساعدة. ولقد شددتُ في المؤتمرِ الأخير في الأردن، المعني بالاستجابة الإنسانية العاجلة في غزة، أن دعواتنا المستمرة لحماية مرافق الرعاية الصحية وتأمين وصول مستدام للمساعدات لم يجر تلبيتها حتى الآن.
وأما في السودان، فلقد بلغ عددُ النازحين اثني عشر مليونَ شخصٍ منذ تصاعد النزاعِ في أوائل عام 2023. وثمة خطرٌ داهمٌ بحدوثِ مجاعةٍ في أجزاء من الخرطوم ودارفور ومناطق كردفان، في ظل استمرار حرمان الناس من الغذاء والمساعدة الصحية. ونحذرُ أن قرابة مليونَي شخصٍ على شفا مستوى كارثي من الجوعِ. وعلاوة على ذلك، لا تزال مرافق الرعاية الصحية وفرقها تتعرض للهجمات. وفي 21 حزيران/ يونيه، شُنَّ هجومٌ على مستشفى الولادة الوحيد العامل في الفاشر، في شمال دارفور، وبسبب هذا الاعتداء، أصبح المستشفى يعمل بشكل جزئي فقط.
هذه هي الحقائق المروعة في إقليمنا، حيث تسبب تسييسُ الصحةِ في فرض قيود صارمة على العاملين في المجالِ الإنساني وتعطيل وصول المساعدات إلى ملايين الرجال والنساء والأطفال، ومن ثَمَّ مواجهة معاناة لا تطاق.
ومهما قُلْتُ فلن أكون مُبالِغةً في التشديد على الضرورة الملحة لاحتواء الكوارث الإنسانية المستمرة من خلال وقفٍ فوري لإطلاق النار وإيجاد حلول دائمة للسلام. وتشتد أهميةُ ذلك أكثر وأكثر مع التنامي الشديد للأثر الإقليمي للحرب في غزة.
ورغم الظروف الصعبة التي لا يمكن تصوُّرها، تواصل فِرقُنا تقديم الخدمات، بينما هم معرضون لخطر يهدد حياتهم وسلامتهم النفسية. فلقد واصلنا طوال الوقت مهماتنا الرامية إلى نقل المرضى في داخل غزة وتزويد المستشفيات بالإمدادات المنقذة للأرواح. وعلى امتداد الأشهر الثمانية الماضية، أظهرت فِرقُنا العاملة في الميدان المعنى الحقيقي لتقدير كل حياةٍ بشرية. وإنني حقًّا مذهولة بشجاعتهم في إعلاء قيم منظمةِ الصحةِ العالمية.
وتمكَّنت المنظمةُ أيضًا من إيصال المساعدات إلى مناطق التي يصعبُ الوصول إليها في السودان، ومنها مثلاً جنوب كردفان ، والخرطوم والجزيرة. وشملت المساعدات إمدادات طبية بالغة الأهمية مثل لوازمُ إسعاف المصابين في حالات الطوارئ، والإمدادات الطبية لعلاج الكوليرا والملاريا، ومجموعات أدوات التغذية لعلاج سوء التغذية.
في المدةِ القصيرةِ التي انقضت منذ توليت منصبي، زرت تسعة بلدان وأعتزمُ – هذا العام - زيارة جميع الدول الأعضاء في الإقليم البالغ عددها اثنين وعشرين دولة، ولو لمرةٍ واحدةٍ على الأقل.
إن كثرة العوامل التي تقع خارج نطاق قطاعِ الصحةِ لكنها في الوقتِ نفسه تؤثر على صحةِ الناسِ تأثيرًا مباشرًا لهو واحد من أكبر وأهم التحديات التي اتضحت بجلاء في أثناء زياراتي. فالصراعُ السياسي والفقرُ والتدهورُ الاقتصادي والنزوحُ الجماعي وانعدامُ الأمن الغذائي والمائي - كلها عوامل تؤثر مجتمعةً بالسلبِ على الحصائل الصحية. ومع ذلك، تقع المسؤوليةُ الرئيسيةُ للتصدي للعواقب الكارثية على عاتقنا بصفنا جهات فاعلة في القطاع الصحي.
وقد حدثني مسؤولو الصحة والشركاءُ في مجالِ الصحة والعاملون الصحيون أنفسهم - من جميع أنحاء الإقليم - عن التحديات التي يواجهونها في معرض الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في ظل موارد محدودة للغاية. ومثال ذلك أن الأضرارُ التي لحقت بالبنية التحتية، وتأثير العقوبات على إتاحة الأدوية والمعدات الطبية، وهروب العاملين الصحيين بسبب انعدام الأمن كلها عوامل قد تسببت في إضعاف النُظُم الصحية في كثير من البلدان، وحرمان الكثير من الناس من الخدمات الصحية التي يحتاجون إليها على وجه السرعةِ.
في حين كشفت زياراتي عن شدة الاحتياجات وخطورة التحديات على أرضِ الواقع، إلا أنها أظهرت لي أيضًا التأثير الإيجابي الذي يمكن أن يحدث عندما نتحد من أجل الصالحِ العام: وخلال زيارتي إلى أفغانستان مع المديرِ الإقليمي لليونيسف، سانجاي ويجيسيكرا، جرى السماح بحملات التطعيم عن طريق الزيارات المنزلية في المنطقة الجنوبية من أفغانستان. ويأتي هذا الحوارُ في إطار الجهود الأوسع نطاقًا التي تبذلها مجموعةُ الخمسِ، التي تضم إيران وباكستان والعراق وأفغانستان، والتي تجتمع من جديدٍ لتعزيز تعاونها بشأن القضايا المتعلقة بالصحة. وبالتركيزِ على بناء القدرات البشرية، تستثمر مجموعةُ الخمس في القوى العاملة الصحية المستقبلية، وهو أمر أساسي لاستدامة النظمِ الصحية في الإقليمِ وضمان استمرار فعاليتها على المدى الطويل.
وإنني أرى أنه من المهم جدًّا أن يأتي دعمُ الإقليمِ من الإقليمِ حتي تصل الإمدادات الطبية بكفاءة وإنصاف إلى الأشخاص المقصودين بتلقي المساعدة؛ وأن نرعى قوى عاملة صحية قوية تحظى بالتقدير والحماية ولديها الحافز للبقاء في الإقليم؛ وأن يجري تسليط الضوء على مسألة اضطراب تعاطي المواد من أجل حماية الأفراد والمجتمعات، خاصة وأنه لا يزال يُنظر إلى اضطراب تعاطي المواد بوصفه من الأمور المحظور تداولها مجتمعيًا رغم أهميته وتأثيره المدمر على الصحةِ العامةِ.
وقبل أن أختتم كلمتي، أودُّ التذكير بأن عبارة "ملايين المحتاجين"، التي صارت عبارة شائعة في إقليمنا، لها تكلفةٌ بشريةٌ حقيقيةٌ. فبين هذه الملايين امرأةٌ حاملٌ جائعةٌ تحاول الفرار لإنقاذ حياتها، وطفلٌ يتيمٌ قَطَّعتِ الحربُ أوصالَ عائلتِهِ، ووالدٌ كسيرُ الفؤادِ وهو يشاهد الوَهَنَ يعتري جسدَ طفله الذي تغيَّر شكله بسبب نقص الطعام حتى يكاد لا يعرف طفله الذي رباه.
ويمكنني القول، بكل تأكيد، إنَّ كل واحد من هؤلاءِ قد تمنَّى حياةً أفضلَ.
وعلى الرغم من أننا لا نستطيع أن نردَّ الماضي أو نقللَ ما وقع بالفعلِ من خسائرَ مؤلمةٍ، فإننا في منظمة الصحة العالمية سنفعل كل ما بوسعنا لجعل الحاضر أكثر احتمالاً بحياةٍ تجمع بين الكرامةِ والصحةِ والسلامةِ للجميع، وسنعمل بلا كللٍ من أجل إعادة بناء مستقبلٍ أفضلَ.
بيان المديرة الإقليمية خلال الإحاطة الصحفية بشأن حالات الطوارئ في إقليم شرق المتوسط
26 حزيران/يونيو 2024
مرت أربعةُ أشهر تقريبًا على عقدنا أولَ إحاطةٍ صحفيةٍ بشأن الطوارئ الصحية منذ أن توليت منصبي، ولم أكن أتوقع آنذاك هذا التصاعدَ الشديدَ للعنفِ في إقليمنا. فلقد اشتدَّ الموقفُ سوءًا وازدادت الحالةُ قسوةً، في حين لا تزالُ المساعداتُ المُنقِذةُ للحياةِ أمرًا بعيدَ المنالِ بالنسبةِ إلى كثيرينَ ممن تعتمد حياتهم على تلك المساعدات.
إن الأزمةَ الصحية في غزة آخذة في التصاعدِ وصولاً إلى مستويات مروعة. فلقد اضطرَّ أكثرُ من مليونِ شخصٍ في رفح إلى النزوح مرة أخرى، وذلك منذ أوائل أيار/ مايو. وباستثناء مستشفى ميداني تابع للَّجنة الدولية للصليب الأحمر، فإنه لم تعد في رفح أي مستشفيات عاملة. وعلاوة على ذلك فإنه يوجد عشرةُ آلافِ شخصٍ على الأقل عالقون داخل غزة بينما هم في حاجةٍ ماسَّةٍ إلى عمليات الإجلاء الطبي، وذلك على الرغم من أن العديد من البلدان في جميع أنحاء العالم مستعدة لتقديم المساعدة. ولقد شددتُ في المؤتمرِ الأخير في الأردن، المعني بالاستجابة الإنسانية العاجلة في غزة، أن دعواتنا المستمرة لحماية مرافق الرعاية الصحية وتأمين وصول مستدام للمساعدات لم يجر تلبيتها حتى الآن.
وأما في السودان، فلقد بلغ عددُ النازحين اثني عشر مليونَ شخصٍ منذ تصاعد النزاعِ في أوائل عام 2023. وثمة خطرٌ داهمٌ بحدوثِ مجاعةٍ في أجزاء من الخرطوم ودارفور ومناطق كردفان، في ظل استمرار حرمان الناس من الغذاء والمساعدة الصحية. ونحذرُ أن قرابة مليونَي شخصٍ على شفا مستوى كارثي من الجوعِ. وعلاوة على ذلك، لا تزال مرافق الرعاية الصحية وفرقها تتعرض للهجمات. وفي 21 حزيران/ يونيه، شُنَّ هجومٌ على مستشفى الولادة الوحيد العامل في الفاشر، في شمال دارفور، وبسبب هذا الاعتداء، أصبح المستشفى يعمل بشكل جزئي فقط.
هذه هي الحقائق المروعة في إقليمنا، حيث تسبب تسييسُ الصحةِ في فرض قيود صارمة على العاملين في المجالِ الإنساني وتعطيل وصول المساعدات إلى ملايين الرجال والنساء والأطفال، ومن ثَمَّ مواجهة معاناة لا تطاق.
ومهما قُلْتُ فلن أكون مُبالِغةً في التشديد على الضرورة الملحة لاحتواء الكوارث الإنسانية المستمرة من خلال وقفٍ فوري لإطلاق النار وإيجاد حلول دائمة للسلام. وتشتد أهميةُ ذلك أكثر وأكثر مع التنامي الشديد للأثر الإقليمي للحرب في غزة.
ورغم الظروف الصعبة التي لا يمكن تصوُّرها، تواصل فِرقُنا تقديم الخدمات، بينما هم معرضون لخطر يهدد حياتهم وسلامتهم النفسية. فلقد واصلنا طوال الوقت مهماتنا الرامية إلى نقل المرضى في داخل غزة وتزويد المستشفيات بالإمدادات المنقذة للأرواح. وعلى امتداد الأشهر الثمانية الماضية، أظهرت فِرقُنا العاملة في الميدان المعنى الحقيقي لتقدير كل حياةٍ بشرية. وإنني حقًّا مذهولة بشجاعتهم في إعلاء قيم منظمةِ الصحةِ العالمية.
وتمكَّنت المنظمةُ أيضًا من إيصال المساعدات إلى مناطق التي يصعبُ الوصول إليها في السودان، ومنها مثلاً جنوب كردفان ، والخرطوم والجزيرة. وشملت المساعدات إمدادات طبية بالغة الأهمية مثل لوازمُ إسعاف المصابين في حالات الطوارئ، والإمدادات الطبية لعلاج الكوليرا والملاريا، ومجموعات أدوات التغذية لعلاج سوء التغذية.
في المدةِ القصيرةِ التي انقضت منذ توليت منصبي، زرت تسعة بلدان وأعتزمُ – هذا العام - زيارة جميع الدول الأعضاء في الإقليم البالغ عددها اثنين وعشرين دولة، ولو لمرةٍ واحدةٍ على الأقل.
إن كثرة العوامل التي تقع خارج نطاق قطاعِ الصحةِ لكنها في الوقتِ نفسه تؤثر على صحةِ الناسِ تأثيرًا مباشرًا لهو واحد من أكبر وأهم التحديات التي اتضحت بجلاء في أثناء زياراتي. فالصراعُ السياسي والفقرُ والتدهورُ الاقتصادي والنزوحُ الجماعي وانعدامُ الأمن الغذائي والمائي - كلها عوامل تؤثر مجتمعةً بالسلبِ على الحصائل الصحية. ومع ذلك، تقع المسؤوليةُ الرئيسيةُ للتصدي للعواقب الكارثية على عاتقنا بصفنا جهات فاعلة في القطاع الصحي.
وقد حدثني مسؤولو الصحة والشركاءُ في مجالِ الصحة والعاملون الصحيون أنفسهم - من جميع أنحاء الإقليم - عن التحديات التي يواجهونها في معرض الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في ظل موارد محدودة للغاية. ومثال ذلك أن الأضرارُ التي لحقت بالبنية التحتية، وتأثير العقوبات على إتاحة الأدوية والمعدات الطبية، وهروب العاملين الصحيين بسبب انعدام الأمن كلها عوامل قد تسببت في إضعاف النُظُم الصحية في كثير من البلدان، وحرمان الكثير من الناس من الخدمات الصحية التي يحتاجون إليها على وجه السرعةِ.
في حين كشفت زياراتي عن شدة الاحتياجات وخطورة التحديات على أرضِ الواقع، إلا أنها أظهرت لي أيضًا التأثير الإيجابي الذي يمكن أن يحدث عندما نتحد من أجل الصالحِ العام: وخلال زيارتي إلى أفغانستان مع المديرِ الإقليمي لليونيسف، سانجاي ويجيسيكرا، جرى السماح بحملات التطعيم عن طريق الزيارات المنزلية في المنطقة الجنوبية من أفغانستان. ويأتي هذا الحوارُ في إطار الجهود الأوسع نطاقًا التي تبذلها مجموعةُ الخمسِ، التي تضم إيران وباكستان والعراق وأفغانستان، والتي تجتمع من جديدٍ لتعزيز تعاونها بشأن القضايا المتعلقة بالصحة. وبالتركيزِ على بناء القدرات البشرية، تستثمر مجموعةُ الخمس في القوى العاملة الصحية المستقبلية، وهو أمر أساسي لاستدامة النظمِ الصحية في الإقليمِ وضمان استمرار فعاليتها على المدى الطويل.
وإنني أرى أنه من المهم جدًّا أن يأتي دعمُ الإقليمِ من الإقليمِ حتي تصل الإمدادات الطبية بكفاءة وإنصاف إلى الأشخاص المقصودين بتلقي المساعدة؛ وأن نرعى قوى عاملة صحية قوية تحظى بالتقدير والحماية ولديها الحافز للبقاء في الإقليم؛ وأن يجري تسليط الضوء على مسألة اضطراب تعاطي المواد من أجل حماية الأفراد والمجتمعات، خاصة وأنه لا يزال يُنظر إلى اضطراب تعاطي المواد بوصفه من الأمور المحظور تداولها مجتمعيًا رغم أهميته وتأثيره المدمر على الصحةِ العامةِ.
وقبل أن أختتم كلمتي، أودُّ التذكير بأن عبارة "ملايين المحتاجين"، التي صارت عبارة شائعة في إقليمنا، لها تكلفةٌ بشريةٌ حقيقيةٌ. فبين هذه الملايين امرأةٌ حاملٌ جائعةٌ تحاول الفرار لإنقاذ حياتها، وطفلٌ يتيمٌ قَطَّعتِ الحربُ أوصالَ عائلتِهِ، ووالدٌ كسيرُ الفؤادِ وهو يشاهد الوَهَنَ يعتري جسدَ طفله الذي تغيَّر شكله بسبب نقص الطعام حتى يكاد لا يعرف طفله الذي رباه.
ويمكنني القول، بكل تأكيد، إنَّ كل واحد من هؤلاءِ قد تمنَّى حياةً أفضلَ.
وعلى الرغم من أننا لا نستطيع أن نردَّ الماضي أو نقللَ ما وقع بالفعلِ من خسائرَ مؤلمةٍ، فإننا في منظمة الصحة العالمية سنفعل كل ما بوسعنا لجعل الحاضر أكثر احتمالاً بحياةٍ تجمع بين الكرامةِ والصحةِ والسلامةِ للجميع، وسنعمل بلا كللٍ من أجل إعادة بناء مستقبلٍ أفضلَ.
بيان المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية أمام الدورة السادسة والخمسين بعد المائة للمجلس التنفيذي: شلل الأطفال
شباط/ فبراير 2025
السيد الرئيس، أصحاب المعالي والسعادة، المدير العام،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
إنَّ إقليم شرق المتوسط هو الوحيدُ من بين سائر أقاليم المنظمة الذي لا يزالُ مَوْطونًا بفيروسِ شللِ الأطفالِ البرَّي.
وتقع على عاتقنا مسؤولية هائلة قَبِلَتَها المنطقة بثقةٍ والتزام.
ففي مستهل عامِ 2024، كانت جميعُ المؤشراتِ تفيد بأنَّنا كنَّا قاب قوسين أو أدنى من استئصالِ فيروسِ شللِ الأطفالِ البرَّي في أفغانستانَ وباكستانَ، وهما آخر بلدَيْنِ يتوطُّن فيهما شللُ الأطفالِ. غير أن المرضَ عاودَ الظهور مجدَّدًا، إلى جانبِ فاشياتِ فيروس شلل الأطفال المُتحوِّر في الصومال، والسودان، واليمن، وقطاع غزة.
لقد حظيتُ العام الماضي بشرف زيارة كل من أفغانستان وباكستان مرتين. ورأيتُ تلك الجهود الدؤوبة التي يبذلها العاملون الصحيون في الخطوط الأمامية. وينبغي لنا العمل على تعزيز قدراتهم حتى يتمكنوا من المضي قُدُمًا في مساعيهم تلك.
فنحن ما زلنا ملتزمين باستراتجيتنا الواضحة في هذا الشَّأْن، وهي تَطعيمِ كلِّ طفلِ ومُواصلة جهود البَحْثِ الدؤوب عن الفيروسِ لوَقْفِ سَريانِه.
وتحقيقُ تلكَ الغايةِ ليسَ بالمهمةِ السهلةِ على الإطلاق. حيث يواجهُ كلا البلدين تحدياتٍ جغرافيةٍ وسياسيةٍ هائلةٍ، فضلًا عن تحدياتٍ أخرى متعلقةٍ بالبنيةِ التحتيةِ، والبيئةِ، والأمن.
ومع ذلك، فليسَ في تلكَ التحدياتِ ما يستحيلُ التَّغلُّب عليه.
ففي غزَّة، حصلَ أكثرُ من 560,000 طفلٍ على التطعيمِ ضدَّ شللِ الأطفالِ أثناءَ الهدنةِ الإنسانيةِ العامَ الماضي - ويرجعُ الفضلُ في ذلك إلى التنسيقِ المتعددِ المستويات بين عدة جهاتٍ فاعلةٍ الذي قادته منظمة الصحة العالمية، وإلى روحِ العزيمةِ والإقدامِ التي تحلَّى بها العاملون الصحيون والمجتمعات المحلية.
ونحن إذ فعلنا ذلك في غزة، يمكننا أن نفعله في أي مكان.
وقد استفسرت الدول الأعضاء مساء أمس عن التعاون بين البلدان. إن إقليمنا يقود الطريق. فاللجنة الفرعية الإقليمية الوزارية المعنية باستئصال شلل الأطفال والتصدي لفاشياته، التي أتولى دعوتها إلى الانعقاد، وتشارك في رئاستها قطر والإمارات العربية المتحدة، قد وَحَّدَت الإقليم في إطارٍ من التضامن والعمل الجماعي والدعم المتبادل. وتتولى منظمة الصحة العالمية عقد الحوار الصحي بين أفغانستان وباكستان لضمان التعاون الضروري للبلدين لتحقيق استئصال شلل الأطفال بالتزامن مع تلبية احتياجاتهما الصحية الأوسع نطاقًا.
وقد حشدتُ جميع الجهود لاستئصال شلل الأطفال، وشمل ذلك تعاونًا كاملًا من جانب الممثلين القُطريين للمنظمة وأفرقتهم والمقر الرئيسي للمنظمة. وعملتُ جنبًا إلى جنب مع الدكتور تيدروس لمواجهة أصعب التحديات.
ونحن نعمل في تناغمٍ تامٍ مع شركائنا في المبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال، فزياراتي إلى البلدان الموطونة ومشاركات الجهات المانحة تتم مع رئيس مجلس مراقبة شلل الأطفال ونظيري من اليونيسف. ولا تزال منظمة الروتاري شريكًا وقائدًا ثابتًا. إن انسحاب مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية يُكلفنا الكثير بالفعل بسبب فقدان الدعم التقني والاستراتيجي والمالي. ويعني ذلك من الناحية المالية خسارة قدرها 133 مليون دولار أمريكي للمبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال، وخسارة قدرها 100 مليون دولار أمريكي للمنظمة كل عام. وتواجه المبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال عجزًا في التمويل قدره 2.4 مليار دولار أمريكي لخطتها الحالية التي جرى تمديدها حتى عام 2029. ونحن نُقدّر تعهُّد المملكة العربية السعودية بمبلغ 500 مليون دولار أمري تقديرًا بالغًا إذ جاء ذلك التعهّد في الوقت المناسب في هذه المرحلة الحاسمة من جهود الاستئصال في ظل تضاؤل الموارد.
نحن نؤدي دورنا. ونحتاج إلى دعم راسخ من المجتمع الدولي حتى نتمكن من عبور خط النهاية.
وهذا ما يدعونا إلى العملْ معًا حتى نضمن حصولِ كلِّ طفلٍ أخيرٍ على التطعيمِ الذي يحتاجُ إليهِ. حينها فقط، سنكونُ قدْ اقْتَلَعْنا شَللَ الأطفالِ من جُذورِهِ.