إدراك المرضى في الدّقائق الذّهبية في إدلب

١٧ شباط ٢٠٢٦، إدلب، الجمهورية العربية السورية: فرَق الإسعاف في منطقة أريحا بمحافظة إدلب في حالة استعداد دائم، فعند ورود نداء ما، سواء لحادث سير أو حالة كسر أو حالة قلبيّة طارئة أو حالة نقل حسّاسة بين المشافي، يجب أن تكون الاستجابة فوريّة.

يستعد صالح خلّوف لنقل مريض داخل سيّارة إسعافٍ وضعت قيد الخدمة حديثاً في إدلب، ما يعزِّز الاستجابة للطّوارئ وسلامة المرضى في جميع أنحاء المحافظة. مصدر الصورة: منظّمة الصّحّة العالميّةيستعد صالح خلّوف لنقل مريض داخل سيّارة إسعافٍ وضعت قيد الخدمة حديثاً في إدلب، ما يعزِّز الاستجابة للطّوارئ وسلامة المرضى في جميع أنحاء المحافظة. مصدر الصورة: منظّمة الصّحّة العالميّة

يقول مصعب عبد الوهّاب اليعقوب (٣٣ عاماً) والذي يعمل في نظام الإحالة والإسعاف المركزي منذ عام ٢٠١٨: "لا يوجد في قاموس عملنا يوم روتيني، فخلال مناوباتنا، نكون في حالة تأهّب على مدار السّاعة إذ نستجيب لحوادث السّير وحالات السّقوط والكسور والحالات الحرجة، وفي أية لحظة، قد يرن الهاتف".

لسنوات وسنوات، استخدمت فرق الطوارئ سيّارات إسعاف مُتهالكة تجاوزت عمرها الافتراضي منذ زمن بعيد، فقد تحمّلت هذه المركبات ضغطاً كبيراً وإجهاداً متكرّراً وأعطالاً ميكانيكيّة مستمرّة. يقول مصعب: "كانت سيّارات الإسعاف لدينا قديمة جدّاً وتعرّضت لمشكلات كثيرة وكانت الصّيانة تحدياً مستمرّاً بالنّسبة إلينا".

طراز بعض هذه السّيّارات يعود إلى التّسعينات. يقول صالح خلّوف (٣٥ عاماً) والذي يعمل في هذا النّظام منذ أربع سنوات: "نحن اليوم نستخدم سيّارات من طراز عام ٢٠٢٥. الفرق واضح".

يتجاوز هذا الاختلاف المظهر الخارجي، ففي طب الطّوارئ، التوقيت هو أهم شيء. يقول مصعب: "نُسمّيها 'الدّقائق الذّهبية'. كلّما كان وصولنا إلى المريض أسرع، كان ذلك أفضل لاستقرار حالته". كانت السّيّارات القديمة تبطّئ الاستجابة أحياناً أو تسبّب حالة من عدم اليقين أثناء المهام الطّويلة إلى القرى النائية، وكان على الفرَق التعامل مع الطرق الوعِرة والحفر والبنية التّحتية المتضرّرة، وكلّها عوامل أثَّرت في ظروف نقل المرضى.

Nurse Qais Ibrahim Zureiq monitors a patient’s vital signs inside a newly delivered ambulance, helping ensure safer and more stable emergency transport. Photo credit: WHOيراقب الممرّض قيس إبراهيم زريق العلامات الحيويّة لمريض داخل سيارة إسعاف وضعت قيد الخدمة حديثاً، ما يساعد في ضمان أن يكون النقل الطّارئ أكثر أماناً واستقراراً. مصدر الصورة: منظّمة الصّحّة العالميّة.

يقول قيس إبراهيم زريق، ممرض يعمل في النّظام منذ خمس سنوات: "بالنّسبة إلى المرضى الذين يعانون من كسور أو صدمات، فإن حالة الطريق بحد ذاتها يمكن أن تسبِّب لهم الألم. لم تكن سيّارات الإسعاف القديمة مريحة، وكان المرضى يشتكون أثناء النقل، خاصّة على الطرق المتضررّة". النّقل الأكثر سلاسة يقلِّل من المعاناة الزّائدة في لحظات هي أصلاً حرجة.

بالإضافة إلى الأجهزة، فالتّحدي الأكبر هو نقص الكوادر، ففي جميع أنحاء سوريا، تشير التّقديرات إلى أن ما بين ٥٠٪ و٧٠٪ من العاملين في القطاع الصّحّي غادروا البلاد خلال سنوات النزاع، ما يشكّل ضغطاً مستمرّاً على من تبقّى منهم، وفي العديد من سيّارات الإسعاف، يستجيب سائق واختصاصي طبّي واحد فقط، وليس فريق كامل يتألّف من مسعفين وطبيب.

يضيف قيس: "نحن بحاجة إلى موظفين أكثر، فأحياناً يكون هناك اثنان فقط منا في سيارة الإسعاف، ولكن المفروض أن يكون العدد أربعة أو خمسة".

وما يزال تعزيز القوى العاملة الصّحّيّة الحاليّة والاحتفاظ بها وتشجيع المهنيين الصّحّيّين السورييّن على العودة أولويةً لوزارة الصّحّة في إطار جهود التّعافي المستمرّة.

Musaab Abdulwahab Al-Yaqoub responds to an emergency call in Idlib, transferring a patient from a newly delivered ambulance to a health facility under the Central Referral and Ambulance System. Photo credit: WHOيستجيب مصعب عبد الوهّاب اليعقوب إلى نداء طارئ في إدلب، حيث ينقل مريضاً من سيارة إسعاف وضعت في الخدمة حديثاً إلى إحدى المرافق الصّحّيّة ضمن نظام الإحالة والإسعاف المركزي. مصدر الصورة: منظّمة الصّحّة العالميّة.

بدعم من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانيّة، سلّمت منظّمة الصّحّة العالميّة ١٠ سيّارات إسعاف جديدة لتعزيز خدمات الاستجابة للطوارئ في جميع أنحاء سوريا ودعم الفرَق العاملة في الخطوط الأماميّة التي تواجه ضغوطاً مستمرّة. تتميز السّيّارات الجديدة بموثوقيّتها العالية وحاجتها للصيانة بشكل أقل وثباتها الأكبر على الطرقات، ما يساعد في الحد من التّأخير وتحسين ظروف نقل المرضى.

وعلى الرّغم من هذه المتطلّبات، ما يزال الالتزام الإنساني العميق هو الدّافع لهذه الفرَق. يقول قيس: "عندما تساعد في تثبيت حالة مريض حرِج وتوصله بأمان إلى المشفى، تشعر بأنك حققت شيئاً ذا معنى في ذلك اليوم. وهذا يُشعرك بالرضا".

أمَّا بالنسبة إلى مصعب، فقد ظلَّ الدّافع ثابتاً. يقول: "بدأنا هذا العمل لمساعدة الناس، وهذا ما يدفعنا للاستمرار".

وبالنسبة إلى صالح، فيحمل وصول سيّارات الإسعاف الجديدة معنىً آخر. يقول: "يعني ذلك أنَّ الناس ترانا، وهم يتفهمون وضعنا ويريدون أن يدعمونا، وهذا هو المهم".

في الاستجابة إلى الطوارئ، كل دقيقة ثمينة، وفي إدلب، هذه الدّقائق باتت الآن تُوفّر، في الاستجابة لكل نداء.