20 نيسان 2026، الجمهوريّة العربيّة السّوريّة: في غرفة لقاح صغيرة في دير الزّور، يتردّد طفل بينما تحضّر ممرّضة جرعة اللّقاح. المكان مزدحم، واليوم طويل، وبعض الأسر يعتريها الشّك، لكن الفريق يواصل عمله بصبر ويطمئن النّاس ويشرحون لهم باستمتاع وبسعي لاكتساب الثّقة، حواراً تلو آخر.
ففي أرجاء سوريا، تُعد مناسبات كهذه الفرصة التي يلتقي فيها العلم بالحياة اليوميّة. ليس في العناوين الرئيسة أو المخابر وحدها، بل في العيادات والمخيّمات والمجتمعات، حيث يعتمد العاملون في القطاع الصحي على العلم والبيانات والتعاون لتوجيه القرارات التي تحمي صحة الناس، وغالبًا ما يتم ذلك في ظروف صعبة وبيئات محدودة الموارد.
من الدليل العلمي إلى الثّقة المجتمعيّة
في حلب وإدلب، تعمل د. آية حلّاق، منسّقة التّواصل بشأن المخاطر والمشاركة المجتمعيّة في منظّمة الصّحّة العالميّة، على الجمع بين العلم والثّقة، لضمان أن تكون المعلومات الصّحّيّة دقيقة ومفهومة على حد سواء. تقول: "يجب أن تكون المعلومات الصّحّيّة واضحة وبسيطة وعمليّة، ودورنا هو ترجمة الأدلّة إلى رسائل يمكن للناس استخدامها فعليّاً في حياتهم اليوميّة."
د. آية حلّاق، منسّقة التّواصل بشأن المخاطر والمشاركة المجتمعيّة في منظّمة الصّحّة العالميّة، تدير جلسة في حلب لدعم فهم المجتمع للمخاطر والخدمات الصّحّيّة. مصدر الصّورة: منظّمة الصّحّة العالميّة
يعتمد عملها على البيانات، من تتبع الشائعات وصولاً إلى تحليل ملاحظات المجتمعات وأنماط استخدام الخدمات، وتساعد هذه المعلومات في صياغة الرّسائل والتّعامل مع المخاوف وتكييف الاستجابات في الوقت الفعلي. تقول: "اللّقاحات هي أحد أهم تدخلات الصّحّة العامّة، لكن نجاحها يعتمد بشكل مباشر على مدى ثقة النّاس بها. من خلال التّواصل الشّفاف والاستماع إلى المخاوف، نساعد النّاس على اتّخاذ قرارات مستنيرة."
هذا الارتباط بين المعلومات والثّقة والعمل واضح في مختلف المجتمعات.
عبد الله لاشين، مثقِّف صحّي في منظّمة الإحسان غير الحكوميّة، يقف بجانب خيمة صحيّة في شمال حلب، حيث يعمل مع الأسر للتوعية بشأن النّظافة والتّغذية والوقاية من الأمراض. مصدر الصّورة: منظّمة الصّحّة العالميّة
في شمال حلب، يتجوّل المثقِّف الصّحّي عبد الله لاشين بين الأسر في أحد المخيمات، متحدّثاً عن النّظافة والتّغذية والوقاية من الأمراض، ويسترشد عمله بالأدلّة والبيانات الصّادرة عن منظّمة الصّحّة العالميّة، لكنه يتأثّر أيضاً وفقاً لما يعيشه النّاس على أرض الواقع.
يقول: "نعمل على تصحيح المفاهيم الخاطئة وتشجيع السّلوكيات الصّحّيّة، فعندما يفهم النّاس المخاطر، كالأمراض المرتبطة باستخدام المياه غير الآمنة، يصبحون أكثر قدرة على حماية أنفسهم وأطفالهم."
من خلال الحديث مع مقدّمي الرّعاية، وخاصة الأمهات، نساعد في التّعامل مع المخاوف المتعلّقة باللّقاح، ما يعزّز الثّقة في الخدمات الصّحّيّة.
الكشف المبكّر عن المخاطر الصّحّيّة
بينما تسهم المشاركة المجتمعيّة في التّثقيف، تساهم أنظمة التّرصّد بهدوء متواريةً عن الأنظار في اكتشاف المخاطر قبل أن تتفاقم، وفي وزارة الصّحّة، يصف د. ياسر فروح، مدير مديرية الأمراض السارية والمزمنة، أنظمة التّرصّد والإنذار المبكّر بأنها خط الدفاع الأول.
د. ياسر فروح، مدير مديرية الأمراض السارية والمزمنة في وزارة الصّحّة، يدعم أنظمة التّرصّد والإنذار المبكّر الوطنية التي تساعد في اكتشاف الفاشيات المرضية والاستجابة لها في جميع أنحاء سوريا. مصدر الصّورة: منظّمة الصّحّة العالميّة
يقول: "من خلال التّقارير الأسبوعيّة والإبلاغات الفوريّة، يمكننا اكتشاف أية زيادة غير معتادة في الإصابات بسرعة. خلال الاستجابة للكوليرا، مكّننا ذلك من تحديد البؤر السّاخنة في غضون أيّام والاستجابة بسرعة، ما ساعد في الحد من انتشار المرض وإنقاذ الأرواح."
تعمل التّطورات في مجال المعلومات الوبائيّة على تعزيز هذا العمل بشكل أكبر، فمن خلال الجمع بين التّقارير الرسميّة والبيانات الرقميّة ومصادر البيانات المفتوحة، يمكن الآن اكتشاف المؤشرات بشكل أسرع.
ويضيف: "لم نعد نعتمد على التّقارير التّقليدية فحسب، فأحياناً نكتشف الإبلاغات حتى قبل التّأكيد المخبري، ما يمنحنا وقتاً قيّماً للتّحقق والاستجابة."
لكن التّرصّد لا يعتمد على الأنظمة فقط، بل على النّاس أيضاً، فجميع العاملين الصّحّيّين والمجتمعات والشّركاء يساهمون في تدفق المعلومات التي تمكّن من اتّخاذ القرارات المستندة إلى الأدلّة في الوقت المناسب.
كواليس العمل المخبري
في دير الزّور، تستخدم الفحوصات المخبريّة لتأكيد هذا الاكتشاف المبكّر، ويشرف د. زياد محمود شعيبي، اختصاصي التّشخيص المخبري، على مخبر صحّة عامة تدعمه منظّمة الصّحّة العالميّة، وهنا تحلّل العيّنات لتتبّع أمراض كالإنفلونزا والكوليرا ومراقبة المخاطر البيئيّة، بما في ذلك جودة المياه.
د. زياد محمود شعيبي، اختصاصي التّشخيص المخبري في دير الزّور، يجري الفحوصات للكشف عن الأمراض المعدية ومراقبة مخاطر الصّحّة العامّة. مصدر الصّورة: منظّمة الصّحّة العالميّة
يقول: "المخابر هي خط الدّفاع الأوّل عن الصّحّة العامّة، ومن خلال الفحوصات والتّرصّد، يمكننا اكتشاف الفاشيات مبكّراً ودعم الاستجابة المناسبة."
وفي سياق يتّسم بالنّزوح والضّغط على الأنظمة الصّحّيّة، يصبح العمل المخبري أكثر أهميّة. يراقب الفريق البيانات ويتّبع المبادئ التوجيهيّة الوطنيّة والعالميّة ويظل في حالة تأهّب للفاشيات المحتملة التي لا تبالي بالحدود.
يضيف: "الأمراض الوبائيّة لا تتوقف عند الحدود. دورنا هو اكتشافها مبكراً والإبلاغ عنها بسرعة ودعم الإجراءات اللّازمة لكسر سلسلة انتقال الأمراض."
العلم في صميم الرّعاية اليوميّة
في المراكز الصّحّيّة في جميع أنحاء البلاد، يُوجِّه العلم بدوره القرارات السريريّة اليوميّة.
وفي حماة، يستعين أطبّاء الرّعاية الصّحّيّة الأوليّة بالعلم في قراراتهم اليوميّة. يصف د. مصطفى حسّون كيف يشكِّل الطب المبني على الأدلّة رعاية الأطفال، بدءاً من المتابعات الرّوتينية وصولاً إلى الكشف المبكّر عن حالات مثل سوء التّغذية أو مشكلات النمو.
د. مصطفى حسّون، طبيب الرّعاية الصّحّيّة الأوليّة في حماة، يراجع معلومات المرضى في إطار الاستشارات الرّوتينية مصدر الصّورة: منظّمة الصّحّة العالميّة
يقول: "الأدلّة تساعدنا على اتّخاذ القرارات الطبّيّة الصحيحة، فلا نكتفي بالخبرة الشخصية. إنها تمكننا من التّشخيص المبكّر والعلاج الفعّال وتجنّب الممارسات غير المفيدة."
أما زميله د. سعد شومال، الطّبيب العام، فيسلط الضّوء على أهمّيّة الوقاية والكشف المبكّر.
د. سعد شومال، طبيب عام في حماة، يقدّم استشارة طبية لمريضة في مركز للرّعاية الصّحّيّة الأوليّة. مصدر الصّورة: منظّمة الصّحّة العالميّة
يقول: "تقوم الرّعاية الصّحّيّة الأوليّة بدور رئيس في الكشف المبكّر عن الأمراض ودعم الوقاية، وإن استخدام الأدلّة والمعرفة الطّبّيّة المُحدّثة يساعدنا على اتّخاذ قرارات أفضل لمرضانا كل يوم."
دور اللّقاح في حماية الأطفال
ومرة أخرى في دير الزّور، تواصل فرق التّلقيح عملها، غالباً في ظروف صعبة. تصف غفران خزام، منسّقة اللّقاح، التّقدم والتّحديات على حد سواء، من المساحة الضّيّقة في العيادات إلى تردّد الأسر وخوف الأطفال.
غفران خزام، منسّقة اللّقاح في دير الزّور، تراجع السّجلات في إطار الجهود المبذولة لضمان حصول الأطفال على اللّقاحات المنقذة للحياة. مصدر الصّورة: منظّمة الصّحّة العالمية
تقول: "نتحدّث مع الأسَر مباشرة ونشرح لهم أهمية اللّقاحات ونطمئنهم بأنّها آمنة وفعالة."
عندما يتم الوصول أخيراً إلى الأطفال الذين ربما فاتهم اللّقاح الرّوتيني، يُلحظُ الأثر على الفور. تضيف: "عندما ننجح في تلقيح طفل، وخاصّة أولئك الذين فاتتهم اللّقاحات سابقاً، نشعر بارتياح وسعادة حقيقيين، لأنّنا نعلم أنّنا نحميهم من مرض خطير."
وتضيف أن اللّقاح لا يقتصر على حماية الفرد فقط، بل يساعد في حماية مجتمعات بأكملها.
د. ربا الأتاسي تعطي لقاحاً لطفلة في حمص في إطار جهود التّلقيح المستمرّة. مصدر الصّورة: منظّمة الصّحّة العالميّة
وعلى مستوى البرنامج، يَدعم هذا العملَ الرصدُ المنهجي والتّواصل الميداني، ففي حمص، تشرح د. ربا الأتاسي، رئيسة برنامج صحّة الطّفل واللّقاح، كيف توجّه البيانات جهود التّلقيح.
تقول: "نتتبّع باستمرار مستويات التّغطية في مختلف المناطق، وإذا وجدنا ثغرات، نقوم بالتّحقيق في الأسباب وتكثيف الجهود من خلال التّواصل الميداني والتّوعية والحملات المستهدفة، لضمان الوصول إلى جميع الأطفال."
من التّلقيح الرّوتيني إلى متابعة الأطفال الذين فاتهم اللّقاح، يعمل فريقنا على ضمان وصول اللّقاحات إلى كل مجتمع، بما في ذلك مجتمع النّازحين حديثاً والمناطق التي يصعب الوصول إليها.
نظام صحّي تتعاون فيه كل الأطراف
في مختلف أنحاء سوريا، ترتبط هذه الجهود بشكل وثيق، من المخابر وأنظمة التّرصّد إلى المراكز الصّحّيّة والتّواصل المجتمعي، فالعلم ليس محدوداً بمكان واحد، إذ يتخلّل الأنظمة والقرارات والعلاقات، يضطلع به أشخاص يستخدمون الأدلّة كل يوم لحماية الأرواح.
ويُذكّرنا عملهم بأن الوقوف إلى جانب العلم لا يتعلّق فقط بالبحوث أو البيانات، بل يتعلّق بضمان وصول المعرفة إلى النّاس واكتساب الثّقة والتحول إلى رعاية تُحدث فرقاً.