الصحة كجسر بين الاستجابة للطوارئ والتعافي في اجتماع كبار المسؤولين حول سوريا في أوسلو
23 تشرين الثاني 2025، أوسلو، النرويج– في الاجتماع التاسع لكبار المسؤولين الإنسانيين بشأن سوريا، سلّطت منظمة الصحة العالمية الضوء على كيفية مساهمة الخدمات الصحية الأساسية في دعم انتقال البلاد من مرحلة الاستجابة للأزمة إلى مرحلة التعافي المبكر. وجمع الاجتماع، الذي استضافه الاتحاد الأوروبي والنرويج، كبار المسؤولين من السلطات السورية والحكومات المانحة ووكالات الأمم المتحدة والشركاء الإنسانيين.
يزور الدكتور وائل إسماعيل، مسؤول الصحة العامة في منظمة الصحة العالمية، مركزًا لإعادة التأهيل، حيث يدعم فنيّ الأطراف الاصطناعية فتاةً صغيرةً خلال متابعة فحص للطرف الاصطناعي. حقوق الصورة: منظمة الصحة العالمية
وشاركت كريستينا بيثكي، ممثل منظمة الصحة العالمية في سوريا بالإنابة، في الجلسة المخصّصة لبحث انتقال سوريا نحو التعافي المبكر. واستندت في مداخلتها إلى خارطة الطريق الاستراتيجية لوزارة الصحة لمدة سنتين، موضحةً كيف يُمكن للاستثمارات المُوجّهة أن تُسهم في استقرار الخدمات وتقوية النظم الوطنية. وتُركّز الخطة على إعادة تأهيل المرافق الأساسية، ودعم القوى العاملة، وتعزيز تمويل الصحة ونظم المعلومات.
تُعدّ المراكز الصحية الأولية والمشافي وخدمات التوعية المجتمعية العمود الفقري للرعاية الصحية في جميع أنحاء البلاد. وفي هذا السياق، قالت بيثكي: "إن المرافق الصحية التي تُنقذ الأرواح اليوم هي نفسها التي ستُرسّخ عودة كريمة وتعافيًا محليًا غدًا. فإذا أُغلقت الآن، فلن يكون هناك مسار موثوق للانتقال من الاستجابة للطوارئ إلى التعافي".
كما أكد الاجتماع على الحاجة الملحة لدعم الكوادر الصحية في سوريا، التي عانت بشدة جراء سنوات الأزمة والصعوبات الاقتصادية. وأضافت بيثكي: "إن البنية التحتية مهمة، لكن بدون الناس لا وجود لنظام صحي. وأضافت: "إن اعتبار العاملين الصحيين ثروة وطنية طويلة الأمد هو أحد أسرع وأكثر الجسور عمليةً للانتقال من مرحلة الإغاثة إلى مرحلة التعافي."
وتدعم منظمة الصحة العالمية وشركاؤها حالياً إجراء تقييمات لسوق العمل، وسد الفجوات في المرافق الأساسية، وتقديم حوافز للكوادر في المناطق التي تعاني من نقص في الخدمات، وتوفير فرص جديدة للتدريب والإشراف والتوأمة مع المؤسسات الإقليمية مع العمل أيضاً على تعزيز القدرات المؤسساتية لسوريا.
كما سلّطت السيدة بيثكي الضوء على كيفية مساعدة المرافق الصحية المحلية المجتمعات على اتخاذ خطواتها الأولى نحو التعافي. وقالت: "في كثير من الأماكن، يُعدّ المركز الصحي المحلي من أوائل المؤسسات العامة التي يرى الناس أنها تعمل بعد انتهاء الأزمات". فعندما يعاد تأهيل العيادة بشكل آمن، وتتوفّر فيها المياه النظيفة والكهرباء، وتُقدّم دعمًا للصحة النفسية، ورعاية ما قبل الولادة، وخدمات الولادة الآمنة، وخدمات رعاية حديثي الولادة، فإن ذلك يُشير إلى عودة الخدمات الأساسية. حيث تُساعد هذه التحسينات على استعادة الثقة ودعم العائلات في بدء إعادة بناء حياتهم.
وخلال الاجتماع، شدد الشركاء على ضرورة دعم التمويل الإنساني للصحة، مع إعطاء قدر أكبر من المرونة لدعم التعافي المبكر. وقالت بيثكي: "إن التمويل المرن والقابل للتنبؤ، والمتوافق مع خطة وزارة الصحة الممتدة لعامين، سيسمح للسوريين برؤية عرض واحد متماسك بدلاً من عدة عروض ."
وأكدت منظمة الصحة العالمية التزامها بدعم القيادة الوطنية وتعزيز التنسيق بين الشركاء في المجالات الإنسانية والتنموية والمالية. فمن خلال العمل المشترك والالتزام المستمر، يمكن للصحة اليوم أن تسهم في حماية الأرواح مع إرساء أسس الاستقرار والكرامة والتعافي.
كيف يساعد العاملون الصحيون المجتمعيون العائلات في مدينة الباب على مراقبة نمو أطفالهم
23 تشرين الثاني 2025، حلب، الجمهورية العربية السورية – في مركز الباب الصحي شرقي حلب،
تُطمئن مراقبة النمو الروتينية العائلات بأن أطفالهم يتطورون بشكل جيد. بالنسبة لمنى تل رفادي، التي زارت المركز مع والدتها، أكد الفحص أنها بصحة جيدة وتنمو بشكل جيد.
تفحص دموع، عاملة الصحة المجتمعية، طول الطفلة منى تل رفادي، كجزء من المتابعة الدورية لنمو الأطفال في مركز الباب الصحي شرقي حلب. حقوق الصورة: منظمة الصحة العالمية
في قسم الصحّة المجتمعية، استقبلت العاملة الصحية المجتمعية دموع ،منى ووالدتها بابتسامة لطيفة. قامت بقياس طول منى ووزنها ومحيط منتصف الذراع—وهي فحوصات بسيطة، ولكنها أساسية للكشف المبكر عن أي علامات لسوء التغذية. وكانت جميع قياسات منى ضمن الحدود الطبيعية.
تقول دموع: “نركّز على اكتشاف أي مشكلة مبكراً. بضع دقائق من الفحص كفيلة بمنع شهور من القلق لدى الأسرة. تساعدنا هذه الزيارات على فهم كيفية نمو الأطفال وما إذا كانوا بحاجة إلى دعم إضافي.”
بعد توثيق النتائج، جلست دموع مع والدة منى لشرح ممارسات التغذية الصحية، وشرب المياه، وأهمية المراجعات الدورية. وأضافت: “تخبرنا العديد من الأمهات بأنهن يشعرن بالإرهاق. لذلك نسعى دائمًا لتقديم نصائح بسيطة وعملية تناسب حياتهن اليومية.”
بالنسبة لدموع، فإن التواصل مع الوالدين لا يقل أهمية عن الفحص الطبي. تقول: "عندما تغادر الأم هذا المكان وهي تشعر بثقة أكبر، فهذا نجاح لنا. إنهم يثقون بنا، ونريدهم أن يعرفوا أننا هنا دائمًا للاستماع إليهم".
صورة مقرّبة لقياس محيط منتصف الذراع أثناء تقييم صحة منى. تصوير: منظمة الصحة العالمية
وتؤكّد والدة منى ذلك بقولها: "لقد شرحوا كل شيء بوضوح. هذه الزيارات تساعدني على الشعور بالثقة في كيفية رعايتها".
تُقدّم الخدمات في مركز الباب الصحي بالتنسيق مع وزارة الصحة، وتُنفّذ ميدانيًا من خلال منظمة الأمين، التي تضمن فرقها استمرار توفير الرعاية الصحية الأساسية للمجتمعات ذات الخيارات المحدودة.
دموع تقيس محيط منتصف الذراع للطفلة منى تل رفادي خلال مراقبة نموها الروتينية. تصوير: منظمة الصحة العالمية
منذ أواخر عام ٢٠٢٤، ساهم الدعم المستمر من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية (KSrelief) في تمكين منظمة الصحة العالمية من الحفاظ على تشغيل ٥٠ مرفقًا صحيًا في شمال غرب سوريا، بما في ذلك مدينة الباب. وقد أتاح هذا الدعم استمرار الوصول إلى خدمات الرعاية الأولية والثانوية والمتخصصة—من الأدوية والمستلزمات الأساسية وصولاً إلى خدمات غسيل الكلى، التي تشكّل حاجة متزايدة في المنطقة.
كيف يساهم عمل مريم في المختبر بالحفاظ على وصول العائلات في مدينة الباب إلى الرعاية الصحية
17 تشرين الثاني 2025، حلب – عند وصول العائلات إلى مركز الباب الصحي في ريف حلب الشرقي، يتوجه الكثير منهم أولاً إلى المختبر الصغير الواقع خلف غرف المعاينة. هناك، تعمل مريم أحمد الخلف بهدوء ودقة – تحضّر العينات، تحلل النتائج، وتطمئن المرضى القلقين مما قد تكشفه الفحوصات.
لقد نزحت مريم من دير حافر قبل سنوات، وأعادت بناء حياتها في مدينة الباب، حيث تعيش اليوم مع زوجها وأطفالها الثلاثة. تقول: «لقد أصبح هذا المكان منزلنا، وعملي هنا هو طريقتي لرد الجميل».
تقوم مريم أحمد الخلف بتحضير عينة دم داخل مختبر مركز الباب الصحي في ريف حلب الشرقي. حقوق الصورة: منظمة الصحة العالمية
ضمن عملها في المختبر، تجري مريم كل التحاليل التي يطلبها الأطباء والقابلات – من تعداد الدم وفحوصات السكر إلى مؤشرات العدوى، مما يساعد في كشف الحالات التي تحتاج الى رعاية عاجلة. إن هذا العمل يوجه تقريباً كل قرار طبي يُتخذ في المركز، مما يجعل المختبر هادئا ولكن بالمقابل جزءاً أساسياً من خدمات الرعاية الصحية الأولية.
يتحدث الأطباء بصراحة عن مدى اعتمادهم على عملها. لأنه ومع محدودية الموارد وكثرة المراجعين، فإن التشخيص الدقيق هو أساس الرعاية الآمنة. يقول أحد أطباء المركز: «نتائجها تساعدنا في اتخاذ القرارات الصحيحة لمرضانا. في كثير من الحالات، نتائج المختبر هي التي تحدد إذا كان من الممكن علاج المريض هنا، أو أنه يحتاج إلى إحالة، أو متابعة دقيقة لتجنب أي مضاعفات».
يتم تقديم الخدمات الصحية في مركز الباب الصحي بالتنسيق مع وزارة الصحة، وتنفذ من خلال منظمة الأمين، حيث تعمل فرقهم على ضمان استمرار الرعاية الصحية للمجتمعات التي تملك خيارات محدودة.
منذ أواخر عام 2024، ساهم الدعم المستمر من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية (KSrelief) بمساعدة منظمة الصحة العالمية لضمان عمل 50 مرفقاً صحياً في شمال غرب سوريا، ومن ضمنها مركز الباب. كما ساهم هذا الدعم بتوفير خدمات الرعاية الأولية والثانوية والتخصصية دون انقطاع – من الأدوية والمستلزمات الأساسية إلى غسيل الكلى، والتي ما تزال في ازدياد في المنطقة.
تجري مريم فحوصات مجهرية داخل مختبر مركز الباب الصحي. حقوق الصورة: منظمة الصحة العالمية
بالنسبة لمريم، إن هذا الاستقرار هو ما يُمكّنها من خدمة الناس بكرامة. وتوضح قائلةً: "عندما يتوفر للمركز ما يحتاجه، يُمكننا التركيز بشكل كامل على المرضى. نتيجة فحص واحدة قد تُغير خطة علاج شخص ما. الخدمات الموثوقة تُمكّننا من اكتشاف المشكلات مبكرًا، قبل أن تُصبح خطيرة".
وبينما تتأمل في الدعم الذي يُبقي مختبرها يعمل، تضيف: "يعتمد الناس هنا على هذه الخدمات. يُساعدنا هذا الدعم الذي نتلقاه على مواصلة عملنا دون انقطاع، وهذا يعني حصول العائلات على إجابات ورعاية عندما يكونوا في أمسّ الحاجة إليها".
في مدينة الباب، حيث تلعب الخدمات الصحية دورًا حيويًا في الحياة اليومية، يضمن عمل مريم حصول العائلات على رعاية صحية عالية الجودة وفي الوقت المناسب بالقرب من منازلهم، فلا يضطر أحد للتخلي عن الفحوصات التشخيصية الأساسية.
بعد العودة إلى الوطن.. أسرٌ تنضم إلى الحملة الاستدراكية الكبرى التي تهدف إلى حماية جميع الأطفال دون استثناء
13 تشرين الأول 2025 – دمشق، الجمهورية العربية السورية – في مركز برزة البلد الصحي بدمشق، تبتسم يسرى البالغة ٣٥ عاماً وهي تمسك ببطاقة اللقاح الجديدة الخاصة بابنتها، وتقول: "ما أجمل أن نعود إلى ديارنا ونحن واثقون بأن أطفالنا في مأمن!"
عادت يسرى إلى سورية قبل شهرٍ بعد غيابٍ قارب العقد من الزمن قضته في لبنان، وخلال سنوات النزوح عانت كثيراً خلال متابعة جدول اللقاح الخاص بأطفالها، إذ أدت كثرة التنقلات وقلة فرص الحصول على الخدمات إلى أن ابنتها لين صالح العقلة البالغة من العمر عامين فاتتها عدة جرعات لقاح روتينية.
مسؤولة اللقاح مريم شهاب تخفف عن ولدَي يسرى بعد تلقيهما اللقاحات الروتينية في مركز برزة البلد الصحي بدمشق. مصدر الصورة: منظمة الصحة العالمية
وتستذكر يسرى قائلة "عندما عدنا لم نكن نعرف من أين نبدأ، ثم في أحد الأيام جاء إلي أحد العاملين الصحيين المجتمعيين وأنا في السوق وأخبرني عن حملة اللقاح الوطنية، فجئت بأطفالي في صباح اليوم التالي."
قامت الممرضات في المركز بمراجعة بطاقة اللقاح الخاصة بها المُصدَرة في لبنان وقمن بتحديثها باللقاحات التي فاتت لين. تقول يسرى "كان الفريق لطيفاً وطويل البال وقدموا معلومات عن كل اللقاحات وحددوا موعد الزيارة القادمة، وقد شعرت بالطمأنينة."
يسرى الآن حامل بطفلها الثالث وتقول إن استئناف اللقاحات هو جزء من بداية جديدة. تضيف "بعد سنوات عديدة خارج البلد، أشعر أخيراً بأالاستقرار.. أريد لأطفالي أن يكبروا متمتعين بالصحة والعافية هنا في سورية."
الرعاية المستمرة للعائلات
في مختلف أنحاء دمشق، يسعى آباء وأمهات مثل عائشة محمد إلى ضمان حماية أطفالهم أيضاً، ففي مركز مساكن برزة الصحي تواصل الطفلة لين محمد سمعان الزعبي البالغة من العمر 7 أعوام تلقّي لقاحاتها وفق الجدول المحدد. يقع المركز بالقرب من منزلهم وتحرص أمها عائشة على اصطحابها بانتظام إلى مواعيد المتابعة.
مسؤولة اللقاح في دمشق تحتضن الطفلة لين صالح العقلة (7 أعوام) بعد تلقيها اللقاح في مركز برزة البلد الصحي. مصدر الصورة: منظمة الصحة العالمية
تعرضت المنطقة المحيطة لأضرارٍ بالغة خلال النزاع، لكنْ ظل المركز الصحي المُرمَّم ملاذاً آمناً للأسر التي تبحث عن رعاية مستمرة. تقول عائشة "الممرضات يعرفن ابنتي ويخصصن وقتاً لإعطائنا المعلومات دائماً ويُشعرنا المكانُ بالألفة والأمان.. فأنا أعلم أنها محمية."
الوصول إلى جميع الأطفال دون استثناء
تُشرِف مريم شهاب، مسؤولة اللقاح، على هذه الجهود، إذ تتولى إدارة خمسة مراكز صحية في جميع أنحاء المنطقة، وهي تعمل في برنامج اللقاح الموسع منذ عام ٢٠١٢.
مريم شهاب تقدم لقاحاً روتينياً لرضيع في أحد المراكز الصحية الأولية في دمشق. مصدر الصورة: منظمة الصحة العالمية
"شاهدتُ عائلاتٍ تعود بعد النزوح وأخرى لم تغادر أبداً ولكنها ظلت تواظب على الحضور بانتظام" تقول مريم "هذا العام نلمَس مزيداً من الوعي وزيادة في مستوى الثقة."
تعمَدُ فرق اللقاح العازمة على الوصول إلى الأهالي المترددين على الحوار والتواصل المجتمعي. تقول مريم "نحن نعمل مع متطوعين وعاملين صحيين مجتمعيين في الأسواق والمدارس ودورِ العبادة، كما تُساعد الفرق المتنقلة في الوصول إلى العائلات التي لا تستطيع المجيء إلى المراكز الصحية."
عاملة صحية تعطي طفلة لقاح شلل الأطفال الفموي خلال حملة اللقاح الوطنية في دمشق. مصدر الصورة: منظمة الصحة العالمية
وتأمل مريم أن يؤدي التقدم المحرز خلال حملة اللقاح الوطنية إلى تعزيز اللقاح الروتيني على مستوى البلاد، وتقول "في مرحلة إعادة إعمار البلاد، لا يقتصر هدفنا على استعادة ما فقدناه، بل نريد تقوية النظام حتى نتمكن من الوصول إلى جميع الأطفال في الوقت المناسب."
تُعد عائلات مثل عائلة يسرى وعائشة من بين مئات الآلاف من العائلات في جميع أنحاء سورية التي استفادت من حملة اللقاح الوطنية التي تقودها وزارة الصحة بدعم من منظمة الصحة العالمية واليونيسف والتحالف العالمي للقاح والتحصين (غافي).