
17 أيار/ مايو 2026
أتوجه بالشكر إلى معهد الدراسات العليا ومؤسسة الأمم المتحدة على تنظيم هذا الملتقى عامًا بعد عام.
فهذا الانضباط في المساءلة بات الآن أشدَّ أهميةً وإلحاحًا من أي وقت مضى.
والسؤال المطروح اليوم هو: هل الصحة العالمية ما زالت قادرةً على إحراز تقدُّم في خضم هذا التمزق؟
وجوابي هو نعم،
ولكن بشرط أن نتحلى بالصراحة التامة بشأن واقعنا، وبالجرأة الكافية لمواجهة ما تُمليه علينا هذه اللحظة الفارقة.
وعلى الرغم من صعوبة النقاش الدائر بشأن الصحة العالمية وما يكتنفه من خلافات، فإنني أؤمن إيمانًا راسخًا بأنه سيكون شرارةً لتحوّلٍ أوسع في طريقة إدارة وتنظيم الصحة على الصعيد العالمي.
إننا نعيش اليوم أعمق عملية إعادة تشكيل للمنظومة المتعددة الأطراف منذ عام 1945.
ولنكن صادقين: لو كنّا نصمّم هيكل الصحة العالمية اليوم – بولاياته وآليات تمويله وترتيبات حوكمته – لبنيناه على نحوٍ مختلفٍ تمامًا.
لقد حقق النموذج الحالي – أو بالأحرى النموذج الذي صرنا إليه تدريجيًّا – نتائج فعلية.
وقد أسهمت منظمة الصحة العالمية وشركاؤها في تحقيق مكاسب كبيرة في مجالات التمنيع ومكافحة الأمراض وصحة الأمهات والأطفال والاستجابة للطوارئ وارتفاع متوسط العمر المتوقع.
ولكن مع مرور الوقت، بات كل تحدٍّ لم يُواجَه مُسوِّغًا لإطلاق مبادرة أو شراكة أو آلية تمويل جديدة.
فكان الأثر المتراكم هو التشتت والتداخل والتنافس في مشهدٍ يزداد ازدحامًا يومًا بعد يوم.
ومنظمة الصحة العالمية ليست بمنأى عن هذا النقد. والإصلاح لا بد أن يبدأ بالمصارحة، بما في ذلك مصارحة أنفسنا.
ويتجلى في مبادرة الأمم المتحدة 80 إدراكٌ مماثلٌ على نطاق منظومة الأمم المتحدة الأوسع، إذ أصبحت الولايات والكفاءات والمواءمة المؤسسية تخضع لتدقيقٍ متزايد.
وفيما يخص إصلاح الصحة العالمية، أعتقد أننا يجب أن نبدأ من ثلاثة منطلقات:
أولًا: الواقع الذي تعيشه البلدان؛
ثانيًا: المؤسسات نفسها – ولاياتها وأداؤها ومساءلتها؛
ثالثًا: الواقع التمويلي الذي أصبح له دور متزايد في تشكيل أولويات الصحة العالمية.
وفيما يتعلق بالواقع المُعاش، اسمحوا لي أن أذهب بكم للحظة إلى إقليمنا – إقليم شرق المتوسط – الذي زرت 21 من بلدانه وأراضيه الاثنتين والعشرين، وكررت زيارة كثير منها مراتٍ عدة خلال العامين الماضيين.
إنه من أكثر أقاليم منظمة الصحة العالمية تنوعًا في الأوضاع الصحية.
ويستضيف ملايين اللاجئين والنازحين، وبه دول هشة تعاني نُظُمًا صحية متهالكة، وبلدان متوسطة الدخل تواجه عبئًا متزايدًا من الأمراض غير السارية بلا موارد تكافئ هذا العبء.
وفي الوقت نفسه، يوجد في الإقليم بلدان لديها بعض من أكثر النُّظُم الصحية تقدمًا في العالم.
وهذه، بالنسبة لأقاليم مثل إقليمنا، ليست مجرد مناقشات نظرية بشأن الحوكمة،
بل هي ما يحدد هل ستحصل الدول الهشة على دعم مستدام أم اهتمام مؤقت.
وهل سيظل السكان النازحون محرومين من الخدمات للأبد أم لا.
وهل تستطيع البلدان إنتاج لقاحاتها ووسائل تشخيصها وعلاجاتها الخاصة بها، أم ستظل معتمدة على قرارات الآخرين.
وهل سيكون التمويل انعكاسًا لعبء المرض، أم للجغرافيا السياسية.
لكن واقع البلدان لا يحكي إلا جزءًا من القصة. فالأطراف الفاعلة التي تُشكّل المنظومة هي الأخرى قد تغيّرت تغيّرًا جذريًّا.
فلم نعد نعمل في منظومة تحكمها وكالات الأمم المتحدة وحدها.
ويضم هيكل اليوم تحالف غافي، والائتلاف المعني بابتكارات التأهب لمواجهة الأوبئة، والصندوق العالمي، وجِهَات خيرية كبرى، ولكلٍّ منها هياكل حوكمةٍ ونماذج تمويل وأنظمة مساءلة مختلفة.
ولا يمكن إعادة تصميم المهام أو مواءمة التمويل دون تحديد المستفيد الذي يُصمَّم النظام من أجله.
وهذا بالضبط ما يجعل هذه العملية المشتركة مهمة.
فهي تسعى إلى إضفاء قدرٍ أكبر من الوضوح على الأدوار والمسؤوليات والمساءلة.
وتتعدد جهود الإصلاح اليوم على نطاق الصحة العالمية، من "خطة لوساكا" إلى "مبادرة أكرا لإعادة التشكيل"، ومن "مبادرة الأمم المتحدة 80" إلى المبادرات الإقليمية التي تقودها المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، وصولًا إلى التقييم المستقل للولايات والفعالية الذي تُجريه الآن "شبكة تقييم أداء المنظمات المتعددة الأطراف".
ورغم جدية هذه الجهود، فإنها لا تزال تفتقر إلى التقارب.
فالبلدان لا تطالب بمزيد من عمليات الإصلاح، بل تطالب بالاتساق،
ولذلك فإن المجلس التنفيذي في دورته الثامنة والخمسين بعد المائة كلَّف منظمةَ الصحة العالمية بتنظيم عملية مشتركة تجمع بين الدول الأعضاء، ومبادرات وشركاء الصحة العالمية، ومنظمات المجتمع المدني، والأطراف المعنية الأخرى لتوحيد هذه الجهود في خطة واحدة أكثر اتساقًا.
والمنظور الثالث هو التمويل.
ففي عام 2021، كانت اشتراكات الدول الأعضاء لا تمثل سوى 12% من تمويل منظمة الصحة العالمية، في حين جاء الباقي من تبرعات طوعية.
واليوم، تشكل المساهمات الطوعية أكثر من 80% مما تتلقاه المنظمة، ومعظمها مُخصَّص ومُوجَّه من قبل المانحين.
وقد أسفر ذلك عن نظام يتسم بقدر أقل من المرونة، ويُضعِف تولِّي مقاليد الأمور على الصعيد الوطني.
إن انسحاب الولايات المتحدة فاقَم الضغوطَ، لكنه ليس مجرد فجوة تمويلية.
إنه تحذيرٌ بأن النموذج الحالي بدأ يفقد شرعيته واستدامته والثقة فيه.
كما أنه يجعل التحول نحو تمويل يمكن التنبؤ به، وتقييمه، وتوجيهه من قِبل البلدان أمرًا أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
وهذا أمر مهم، لأن إصلاح الصحة العالمية لا يتعلق بالتنسيق فحسب، بل بات يتعلق بموازين القوة:
- مَن الذي يحدد الأولويات؟
- مَن الذي يتحكم في التمويل؟
- مَن الذي يقرر ما يُموَّل وما يُهمَل؟
ويدور جوهر هذه المناقشة حول إعادة توازن السلطة والمسؤولية والثقة.
فالتعددية لن تصمد إذا شعرت البلدان أنها مفروضة عليها، بدلًا من أن تكون شريكًا في بنائها.
وينبغي أن تركز المؤسسات العالمية على ما لا يستطيع غيرها تقديمه، مثل: القواعد والمعايير، والترصُّد، والتأهُّب لحالات الطوارئ، والإتاحة المنصفة للابتكار.
أما كل ما عدا ذلك – مثل تقديم الخدمات، وتحديد أولويات النُّظُم الصحية، وخيارات السياسات الوطنية – فيجب أن تظل قيادته في يد البلدان، مع توجيه الدعم الدولي ليسير وفق الخطط الوطنية لا وفق تفضيلات المانحين.
ولا يمكن للإصلاح أن يتوقف عند الحكومات والمؤسسات،
إذ يجب أن تكون المجتمعات المحلية والمجتمع المدني والشباب مشاركين فعليين في تصميم النظام، لا مجرد مشاركين رمزيين فيه.
إن العملية المشتركة المعروضة الآن على جمعية الصحة مُحدَّدة زمنيًّا عن قصد، ومن المتوقع صدور تقرير نهائي بشأنها في عام 2027.
وأولوياتها واضحة ومباشرة:
- مواءمة المهام،
- وتعزيز المساءلة،
- وجعل التمويل في خدمة البلدان.
لأن النموذج الذي نحتاج إليه لا يمكن تصميمه لعالَم الأمس.
فتغير المناخ، وشيخوخة السكان، ومقاومة مضادات الميكروبات، والأمراض غير السارية، والصحة النفسية ليست قضايا هامشية،
بل إنها ترسم ملامح المستقبل.
وأي هيكل لا يزال يعطي الأولوية للأمراض المُعدية مع ترك هذه التحديات بلا تمويل هيكلي كافٍ لا يُعدّ إصلاحا،
بل مجرد تغيير للاسم.
لقد أصبح من المستحيل تجاهل الفجوة بين المنظومة التي لدينا والمنظومة التي نحتاج إليها.
ولكن هذه الفجوة تُعدُّ أيضًا فرصة يمكن اغتنامها.
فالبلدان لا تدير ظهرها لتعددية الأطراف،
بل تطالب بدور أكبر في تشكيلها.
إن "بلدان الجنوب" لا تطالب بمجرد مقعد على طاولة صُمِّمت في مكان آخر،
بل تطلب أن تساعد في تصميم الطاولة نفسها.
وهذه هي الفرصة السانحة أمامنا الآن:
بناء هيكل صحي عالمي يعكس واقع العالم الذي نعيش فيه اليوم وأولوياته ومسؤولياته.
ومنظمة الصحة العالمية لا تطلب من الدول الأعضاء أن يثقوا في عملية ما، بل تطلب منهم قيادتها.