كلمة افتتاحية للدكتورة حنان حسن بلخي ، المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط. فعالية على هامش الدورة التاسعة والسبعين لجمعية الصحة العالمية :المائدة المستديرة الوزارية بشأن التمويل الصحي

20 أيار/ مايو 2026

أصحابَ المعالي والسعادة،

السيد كوابينا مينتا أكاندو المُوقَّر، وزير الصحة، في جمهورية غانا

الدكتور بودي جونادي صادقين، وزير الصحة في جمهورية إندونيسيا

الدكتور سيد مصطفى كمال، وزير الصحة في جمهورية باكستان الإسلامية

الدكتور هيثم محمد إبراهيم، وزير الصحة في جمهورية السودان

الدكتور شيرين فاركي، مدير قطاع الصحة والتغذية والسكان في البنك الدولي في الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، وأفغانستان، وباكستان

الزميلات والزملاء الأعزاء، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

طاب مساؤكم جميعًا، وأشكركم على الانضمام إلينا.

لم يعد التمويل الصحي مجرد مناقشة تقنية، بل أضحى ضرورة استراتيجية وحتمية سياسية.

حيث تواجه البُلدان، في جميع أقاليم المنظمة، نفس التحدي الأساسي، ألا وهو كيفية مواصلة التقدُّم صَوْب تحقيق التغطية الصحية الشاملة في وقت يتزايد فيه الضغط المالي، وتتعارض فيه الأولويات الوطنية، ويتراجع الدعم الخارجي.

وتتجلَّى هذه الضغوط بشكل ملحوظ في إقليم شرق المتوسط. فالإقليم يمثل ما يقرب من 9% من سكان العالم، ومع ذلك فهو يمثل أقل من 2% من الإنفاق الصحي العالمي. وهناك اثنان من كل ثلاثة أشخاص لا يمكنهما الحصول على الرعاية التي يحتاجان إليها. ويعاني نحو 28% من ضائقة مالية بسبب الإنفاق من أموالهم الخاصة، ويضطر واحد من كل خمسة أشخاص إلى خفض الإنفاق على الغذاء أو التعليم أو غير ذلك من الضروريات في سبيل التماس الرعاية.

وفي الوقت نفسه، ما فتئ النزاع والهشاشة يزيدان الاحتياجات الصحية، ويفرضان ضغوطًا إضافية على الموارد العامة المحدودة بالفعل.

وقد اعتدنا على وصف ذلك بأنه غير منصف وغير كفؤ. واليوم، بات من الواضح أيضًا أنه غير قابل للاستدامة.

ولا يوجد حل وحيد. ولكننا نعلم أين يلزم اتخاذ الإجراءات.

فالبلدان بحاجة إلى تعزيز التمويل العام المحلي المخصَّص للصحة، ولا سيَّما في مجال الرعاية الصحية الأولية والوظائف الأساسية للصحة العامة. والنُّظُم التي لا تزال تعتمد اعتمادًا مفرطًا على التمويل الخارجي غير قادرة على الصمود.

ويظل خفض الإنفاق من المال الخاص أمرًا بالغ الأهمية. ومن الضروري توسيع نطاق آليات الدفع المسبق وتجميع المخاطر، بوسائل منها وضع ترتيبات أقوى للتأمين الصحي، من أجل حماية الفئات السكانية الضعيفة.

وفي الوقت نفسه، يجب على البلدان النهوض بالكفاءة وتحسين القيمة مقابل المال من خلال الشراء الاستراتيجي، والإدارة المالية العامة الأقوى، والشراء المُجمَّع، والأدوات الرقمية.

وينبغي الاستفادة من التمويل المبتكر على نحو استراتيجي. ويمكن أن تساعد الضرائب الصحية، والتمويل المختلط، وأدوات التمويل الإسلامي على توسيع الحيز المالي عند إدماجها في النُّظُم الوطنية.

وتمضي البلدان بالفعل قُدُمًا في تنفيذ الإصلاحات بطرق مختلفة في جميع أنحاء إقليمنا.

حيث تعمل البحرين على إنشاء برنامجها الوطني للتأمين الصحي.

وتطبِّق مصر قانونًا رائدًا للتأمين الصحي الشامل.

وينهض الأردن بالرعاية الصحية الأولية الشاملة والإصلاحات التمويلية.

وتوسع باكستان نطاق التغطية لتشمل أكثر من 100 مليون شخص من الفئات الضعيفة.

وتنهض المملكة العربية السعودية بنُهُج التمويل الإسلامي المبتكرة، في حين يُوظِّف السودان الشراء المجمع وصناديق الزكاة لتوسيع نطاق التغطية.

كما نتعلم من تجارب أخرى خارج إقليمنا. حيث يبرهن البرنامج الوطني للتأمين الصحي في إندونيسيا على ما يمكن التوسُّع فيه إذا اعتبرنا إصلاح التمويل أولوية وطنية طويلة الأجل.

وتختلف هذه الخبرات من حيث التصميم، ولكنها تشترك في درس واحد، وهو أن التقدُّم يتحقق عندما تجتمع وزارات الصحة، ووزارات المالية، وشركات التأمين، والشركاء في التنمية، والمجتمع المدني حول جدول أعمال وطني مشترك.

ولهذا السبب أنشأ المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط فرقة العمل الإقليمية المعنية بالتمويل الصحي، التي تعكف على إعداد ورقة تقنية إقليمية ومشروع قرار بشأن استدامة التمويل الصحي والحماية المالية، لتنظر فيهما اللجنة الإقليمية في تشرين الأول/ أكتوبر القادم.

ويتمثل دور المنظمة في مساعدة البلدان على الانتقال من الإصلاحات المجزأة إلى استراتيجيات تمويل متماسكة ترتكز على الإنصاف والاستدامة والملكية الوطنية.

ولا يؤدي انخفاض المساعدة الإنمائية الرسمية إلى خلق فجوة تمويلية فحسب. بل يفرض أيضًا إعادة النظر في مفهوم التمويل الصحي المستدام المملوك وطنيًّا، وما يعنيه ذلك عمليًّا.

وينبغي ألا نترك هذه اللحظة تتفلَّت من بين أيدينا.

فإذا كنا نسعى لتحقيق الصحة للجميع، فلا بد من اعتماد نهج مختلف في تمويلها، يقوم على ملكية وطنية أكبر، وحماية مالية أقوى، وإنفاق أكثر كفاءة، والتزام سياسي مستدام.