كلمة الدكتورة حنان حسن بلخي، المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط. جلسة إحاطة مفتوحة – مدخل إلى جمعية الصحة العالمية التاسعة والسبعين: هل يمكن أن تحرز الصحة العالمية تقدمًا في خضم هذا التمزق؟

17 أيار/ مايو 2026
أتوجه بالشكر إلى معهد الدراسات العليا ومؤسسة الأمم المتحدة على تنظيم هذا الملتقى عامًا بعد عام.
فهذا الانضباط في المساءلة بات الآن أشدَّ أهميةً وإلحاحًا من أي وقت مضى.
والسؤال المطروح اليوم هو: هل الصحة العالمية ما زالت قادرةً على إحراز تقدُّم في خضم هذا التمزق؟
وجوابي هو نعم،
ولكن بشرط أن نتحلى بالصراحة التامة بشأن واقعنا، وبالجرأة الكافية لمواجهة ما تُمليه علينا هذه اللحظة الفارقة.
وعلى الرغم من صعوبة النقاش الدائر بشأن الصحة العالمية وما يكتنفه من خلافات، فإنني أؤمن إيمانًا راسخًا بأنه سيكون شرارةً لتحوّلٍ أوسع في طريقة إدارة وتنظيم الصحة على الصعيد العالمي.
إننا نعيش اليوم أعمق عملية إعادة تشكيل للمنظومة المتعددة الأطراف منذ عام 1945.
ولنكن صادقين: لو كنّا نصمّم هيكل الصحة العالمية اليوم – بولاياته وآليات تمويله وترتيبات حوكمته – لبنيناه على نحوٍ مختلفٍ تمامًا.
لقد حقق النموذج الحالي – أو بالأحرى النموذج الذي صرنا إليه تدريجيًّا – نتائج فعلية.
وقد أسهمت منظمة الصحة العالمية وشركاؤها في تحقيق مكاسب كبيرة في مجالات التمنيع ومكافحة الأمراض وصحة الأمهات والأطفال والاستجابة للطوارئ وارتفاع متوسط العمر المتوقع.
ولكن مع مرور الوقت، بات كل تحدٍّ لم يُواجَه مُسوِّغًا لإطلاق مبادرة أو شراكة أو آلية تمويل جديدة.
فكان الأثر المتراكم هو التشتت والتداخل والتنافس في مشهدٍ يزداد ازدحامًا يومًا بعد يوم.
ومنظمة الصحة العالمية ليست بمنأى عن هذا النقد. والإصلاح لا بد أن يبدأ بالمصارحة، بما في ذلك مصارحة أنفسنا.
ويتجلى في مبادرة الأمم المتحدة 80 إدراكٌ مماثلٌ على نطاق منظومة الأمم المتحدة الأوسع، إذ أصبحت الولايات والكفاءات والمواءمة المؤسسية تخضع لتدقيقٍ متزايد.
وفيما يخص إصلاح الصحة العالمية، أعتقد أننا يجب أن نبدأ من ثلاثة منطلقات:
أولًا: الواقع الذي تعيشه البلدان؛
ثانيًا: المؤسسات نفسها – ولاياتها وأداؤها ومساءلتها؛
ثالثًا: الواقع التمويلي الذي أصبح له دور متزايد في تشكيل أولويات الصحة العالمية.
وفيما يتعلق بالواقع المُعاش، اسمحوا لي أن أذهب بكم للحظة إلى إقليمنا – إقليم شرق المتوسط – الذي زرت 21 من بلدانه وأراضيه الاثنتين والعشرين، وكررت زيارة كثير منها مراتٍ عدة خلال العامين الماضيين.
إنه من أكثر أقاليم منظمة الصحة العالمية تنوعًا في الأوضاع الصحية.
ويستضيف ملايين اللاجئين والنازحين، وبه دول هشة تعاني نُظُمًا صحية متهالكة، وبلدان متوسطة الدخل تواجه عبئًا متزايدًا من الأمراض غير السارية بلا موارد تكافئ هذا العبء.
وفي الوقت نفسه، يوجد في الإقليم بلدان لديها بعض من أكثر النُّظُم الصحية تقدمًا في العالم.
وهذه، بالنسبة لأقاليم مثل إقليمنا، ليست مجرد مناقشات نظرية بشأن الحوكمة،
بل هي ما يحدد هل ستحصل الدول الهشة على دعم مستدام أم اهتمام مؤقت.
وهل سيظل السكان النازحون محرومين من الخدمات للأبد أم لا.
وهل تستطيع البلدان إنتاج لقاحاتها ووسائل تشخيصها وعلاجاتها الخاصة بها، أم ستظل معتمدة على قرارات الآخرين.
وهل سيكون التمويل انعكاسًا لعبء المرض، أم للجغرافيا السياسية.
لكن واقع البلدان لا يحكي إلا جزءًا من القصة. فالأطراف الفاعلة التي تُشكّل المنظومة هي الأخرى قد تغيّرت تغيّرًا جذريًّا.
فلم نعد نعمل في منظومة تحكمها وكالات الأمم المتحدة وحدها.
ويضم هيكل اليوم تحالف غافي، والائتلاف المعني بابتكارات التأهب لمواجهة الأوبئة، والصندوق العالمي، وجِهَات خيرية كبرى، ولكلٍّ منها هياكل حوكمةٍ ونماذج تمويل وأنظمة مساءلة مختلفة.
ولا يمكن إعادة تصميم المهام أو مواءمة التمويل دون تحديد المستفيد الذي يُصمَّم النظام من أجله.
وهذا بالضبط ما يجعل هذه العملية المشتركة مهمة.
فهي تسعى إلى إضفاء قدرٍ أكبر من الوضوح على الأدوار والمسؤوليات والمساءلة.
وتتعدد جهود الإصلاح اليوم على نطاق الصحة العالمية، من "خطة لوساكا" إلى "مبادرة أكرا لإعادة التشكيل"، ومن "مبادرة الأمم المتحدة 80" إلى المبادرات الإقليمية التي تقودها المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، وصولًا إلى التقييم المستقل للولايات والفعالية الذي تُجريه الآن "شبكة تقييم أداء المنظمات المتعددة الأطراف".
ورغم جدية هذه الجهود، فإنها لا تزال تفتقر إلى التقارب.
فالبلدان لا تطالب بمزيد من عمليات الإصلاح، بل تطالب بالاتساق،
ولذلك فإن المجلس التنفيذي في دورته الثامنة والخمسين بعد المائة كلَّف منظمةَ الصحة العالمية بتنظيم عملية مشتركة تجمع بين الدول الأعضاء، ومبادرات وشركاء الصحة العالمية، ومنظمات المجتمع المدني، والأطراف المعنية الأخرى لتوحيد هذه الجهود في خطة واحدة أكثر اتساقًا.
والمنظور الثالث هو التمويل.
ففي عام 2021، كانت اشتراكات الدول الأعضاء لا تمثل سوى 12% من تمويل منظمة الصحة العالمية، في حين جاء الباقي من تبرعات طوعية.
واليوم، تشكل المساهمات الطوعية أكثر من 80% مما تتلقاه المنظمة، ومعظمها مُخصَّص ومُوجَّه من قبل المانحين.
وقد أسفر ذلك عن نظام يتسم بقدر أقل من المرونة، ويُضعِف تولِّي مقاليد الأمور على الصعيد الوطني.
إن انسحاب الولايات المتحدة فاقَم الضغوطَ، لكنه ليس مجرد فجوة تمويلية.
إنه تحذيرٌ بأن النموذج الحالي بدأ يفقد شرعيته واستدامته والثقة فيه.
كما أنه يجعل التحول نحو تمويل يمكن التنبؤ به، وتقييمه، وتوجيهه من قِبل البلدان أمرًا أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
وهذا أمر مهم، لأن إصلاح الصحة العالمية لا يتعلق بالتنسيق فحسب، بل بات يتعلق بموازين القوة:
- مَن الذي يحدد الأولويات؟
- مَن الذي يتحكم في التمويل؟
- مَن الذي يقرر ما يُموَّل وما يُهمَل؟
ويدور جوهر هذه المناقشة حول إعادة توازن السلطة والمسؤولية والثقة.
فالتعددية لن تصمد إذا شعرت البلدان أنها مفروضة عليها، بدلًا من أن تكون شريكًا في بنائها.
وينبغي أن تركز المؤسسات العالمية على ما لا يستطيع غيرها تقديمه، مثل: القواعد والمعايير، والترصُّد، والتأهُّب لحالات الطوارئ، والإتاحة المنصفة للابتكار.
أما كل ما عدا ذلك – مثل تقديم الخدمات، وتحديد أولويات النُّظُم الصحية، وخيارات السياسات الوطنية – فيجب أن تظل قيادته في يد البلدان، مع توجيه الدعم الدولي ليسير وفق الخطط الوطنية لا وفق تفضيلات المانحين.
ولا يمكن للإصلاح أن يتوقف عند الحكومات والمؤسسات،
إذ يجب أن تكون المجتمعات المحلية والمجتمع المدني والشباب مشاركين فعليين في تصميم النظام، لا مجرد مشاركين رمزيين فيه.
إن العملية المشتركة المعروضة الآن على جمعية الصحة مُحدَّدة زمنيًّا عن قصد، ومن المتوقع صدور تقرير نهائي بشأنها في عام 2027.
وأولوياتها واضحة ومباشرة:
- مواءمة المهام،
- وتعزيز المساءلة،
- وجعل التمويل في خدمة البلدان.
لأن النموذج الذي نحتاج إليه لا يمكن تصميمه لعالَم الأمس.
فتغير المناخ، وشيخوخة السكان، ومقاومة مضادات الميكروبات، والأمراض غير السارية، والصحة النفسية ليست قضايا هامشية،
بل إنها ترسم ملامح المستقبل.
وأي هيكل لا يزال يعطي الأولوية للأمراض المُعدية مع ترك هذه التحديات بلا تمويل هيكلي كافٍ لا يُعدّ إصلاحا،
بل مجرد تغيير للاسم.
لقد أصبح من المستحيل تجاهل الفجوة بين المنظومة التي لدينا والمنظومة التي نحتاج إليها.
ولكن هذه الفجوة تُعدُّ أيضًا فرصة يمكن اغتنامها.
فالبلدان لا تدير ظهرها لتعددية الأطراف،
بل تطالب بدور أكبر في تشكيلها.
إن "بلدان الجنوب" لا تطالب بمجرد مقعد على طاولة صُمِّمت في مكان آخر،
بل تطلب أن تساعد في تصميم الطاولة نفسها.
وهذه هي الفرصة السانحة أمامنا الآن:
بناء هيكل صحي عالمي يعكس واقع العالم الذي نعيش فيه اليوم وأولوياته ومسؤولياته.
ومنظمة الصحة العالمية لا تطلب من الدول الأعضاء أن يثقوا في عملية ما، بل تطلب منهم قيادتها.
بيان للدكتورة حنان بلخي، المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، في ختام زيارتها الرسمية الأولى إلى ليبيا

13أيار/ مايو 2026 – في ختام زيارتي إلى ليبيا، أودُّ أن أعرب عن عميق احترامي وتقديري لما شاهدته من عزيمة وإصرار ومهنية واضحة في جميع مجالات القطاع الصحي. فعلى مدار الأيام الأربعة الماضية، التقيت كبار المسؤولين، وممثلي المؤسسات الوطنية، والعاملين الصحيين، وشركاء التنمية، والزملاء في الأمم المتحدة، والمرضى وأسرهم. وزرت المرافق الصحية وشاهدت البنية التحتية للتأهب لحالات الطوارئ في جميع أنحاء طرابلس ومصراتة. وخلال زياراتي، شاهدت بلدًا يمضي قُدُمًا بإرادة لا تلين في رحلة من التعافي إلى الإصلاح. ومنظمة الصحة العالمية ملتزمة بدعم ليبيا في استكمال هذه الرحلة.
إصلاح النظام الصحي والتغطية الصحية الشاملة
لقد أرسى توقيع إطار التعاون الاستراتيجي للفترة 2026-2027 مع معالي وزير الصحة الدكتور محمد الغوج خطة واضحة للمُضي قُدُمًا: أي تعزيز الرعاية الصحية الأولية، والنهوض بالتحوُّل الرقمي، وإصلاح التمويل الصحي، والاستثمار في القوى العاملة الصحية، وتحسين إتاحة الأدوية. وأكد لقائي بمعالي رئيس الوزراء السيد عبد الحميد الدبيبة توافر الالتزام السياسي على أعلى مستوياته، وهو الأمر الذي يكتسي أهمية بالغة لإنجاز الإصلاحات الهيكلية التي تحتاج إليها ليبيا.
وأُثني على الدور القيادي لوزارة الصحة في الاضطلاع ببرنامجها الإصلاحي ومبادرة المائة يوم. حيث يتطلب بناء نُظُم صحية فعَّالة الحوكمة والتنسيق والمساءلة والاستثمار المستدام، وتُرسي هذه الجهود أُسسًا مهمة لإحراز تقدُّم على الأمد الطويل.
وقد استند الحوار الرفيع المستوى بشأن سياسات التغطية الصحية الشاملة إلى تجارب مُقارنة من تركيا وسلطنة عُمان. وكانت المناقشات موضوعية، مع الإقرار بالفجوات الموجودة بكل شفافية: فطب الأسرة لا يزال أدنى من المستوى المأمول، والتكامُل الرقمي في بداية الطريق، ويتطلب إصلاح التمويل متابعة مستمرة على المستوى السياسي.
وأظهرت الزيارات الميدانية لمركز الحارات للرعاية الصحية الأولية ومستشفى الجلاء للولادة - المدعوم بشراكة من منظمة الصحة العالمية - التزام العاملين في الخطوط الأمامية، لكنها كشفت أيضًا عن حجم الاستثمار اللازم في البنية التحتية وسلاسل الإمداد. وقد تزامنت زيارتي إلى مستشفى الجلاء مع اليوم العالمي للقابلات، وهو تذكير جاء في وقته بالدور الحيوي للقابلات في بقاء الأمهات والمواليد على قيد الحياة، وبالاستثمار الذي لا يزال مطلوبًا لدعمهن واستبقائهن في النظام الصحي الليبي.
دمج الصحة في جميع السياسات
يتطلب النهوض بالحصائل الصحية في ليبيا اتخاذ إجراءات تتجاوز نطاق قطاع الصحة بكثير. وتستدعي المخاطر الصحية المرتبطة بالمناخ، وسوء التغذية، والأمراض غير السارية، والمحددات الاجتماعية المُسبِّبة لانعدام الإنصاف في مجال الصحة توفير استجابات شاملة متعددة القطاعات. وتُقدِّم المنظمة دعمًا متخصصًا لبناء أُطُر الحوكمة والسياسات التي تجعل ذلك ممكنًا، وستدفع في اتجاه زيادة إدماج الاعتبارات الصحية في عمليات التخطيط الوطنية.
التأهب للطوارئ والأمن الصحي
يُعدُّ المركز الوطني لمكافحة الأمراض أحد المقومات المؤسسية الحقيقية التي تدير برامج التمنيع ونُظُم الإنذار المبكر والمختبرات المرجعية في جميع أنحاء البلد. ويعكس افتتاح جناح الطوارئ والمستشفى الميداني التجريبي التابع لمركز طب الطوارئ والدعم تقدمًا ملموسًا في بناء قدرات الاستجابة وفقًا لمعايير المنظمة بشأن الفرق الطبية الطارئة وسعيًا نحو الحصول على تصنيف عالمي.
ويُعدُّ تأسيس الغرفة المركزية الجديدة للطوارئ والاستجابة في وزارة الصحة، التي ترصد القدرة الاستيعابية لأسِرَّة المستشفيات بشكل لحظي وتنسق عمليات الإحالة على الصعيد الوطني، خطوة مهمة من الناحية العملية، لا سيما في هذا البلد الذي أودى فيه تشتُّت جهود الاستجابة لحالات الطوارئ بأرواح الكثيرين.
ومؤخرًا، وبدعم من منظمة الصحة العالمية، أجرت ليبيا بنجاح التقييم الخارجي المشترك الذي وضع تقديرًا شاملا لقدرات البلد بموجب اللوائح الصحية الدولية (2005). وساعد التقييم على تحديد مواطن القوة الأساسية ومكامن الضعف في مجالات الوقاية من أحداث الصحة العامة وحالات الطوارئ، والكشف عنها والاستجابة لها. واستنادًا إلى نتائج التقييم الخارجي المشترك وتوصياته، ترجمت ليبيا هذه الأولويات إلى تدخلات ملموسة وقابلة للتنفيذ من خلال وضع خطة العمل الوطنية للأمن الصحي، التي تُعدُّ بمثابة خارطة طريق استراتيجية لتعزيز قدرات الأمن الصحي الوطني وتعزيز قدرات التأهب والاستجابة في جميع القطاعات.
وستواصل المنظمة دعم الترصُّد المتكامل للأمراض، وقدرات المختبرات على إجراء التسلسل الجيني، والنهوض بالفرق الطبية الوطنية في حالات الطوارئ. وقد ناقشنا كذلك دور المركز الوطني لمكافحة الأمراض في تنسيق استجابة ليبيا للاضطرابات الناجمة عن تعاطي مواد الإدمان - وهي أزمة متنامية في جميع أنحاء إقليم شرق المتوسط.
القضاء على التراخوما
ليبيا هو البلد الثامن والعشرون على مستوى العالم، والثامن في إقليم شرق المتوسط الذي ينجح في القضاء على التراخوما باعتبارها مشكلة صحية عامة. وقد تحقق ذلك من خلال الحشد المتواصل للجهود الوطنية والدعم الدولي المنسق. وبهذه المناسبة، قدمت لمعالي رئيس الوزراء درعًا تذكاريًّا بالنيابة عن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية الدكتور تيدروس. ولا تكمن أهمية هذا الإنجاز في حد ذاته فحسب، بل أيضًا في كونه دليلاً على ما يمكن أن يحققه برنامج وطني فعّال، مدعوم بشراكات مستمرة، حتى في السياقات الهشة.
رعاية مرضى سرطان الأطفال في مصراتة
أسهمت زياراتي إلى المعهد القومي لعلاج الأورام في مصراتة، لا سيما القسم الخاص بأورام الأطفال، وقضاء بعض الوقت مع أسر الأطفال الذين يتلقون العلاج، في الوقوف على تكلفة الثغرات في الرعاية المتخصصة. حيث لا تزال فرص الحصول على خدمات علاج الأورام غير منصفة وشحيحة الموارد. وأوضحت الأسر التي التقيت بها في مصراتة أن ذلك يتطلب استجابة حقيقية.
الختام
يعكس مسار الإصلاح في ليبيا قدرًا من الاتساق، إلى جانب توافر إرادة سياسية حقيقية. ولا تزال القدرة على التنفيذ والتمويل يشكلان عائقين أساسيين، غير أن التعامل معهما ممكن. والدعم الذي يقدمه المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، من خلال إطار التعاون الاستراتيجي والمبادرات الإقليمية الرئيسية الثلاثة بشأن الحصول على الأدوية، والقوى العاملة الصحية، وتعاطي مواد الإدمان، إلى جانب عمليات التأهب والاستجابة والعمليات الإنسانية الجارية، من شأنه أن يعمل على رأب تلك الفجوات بالتحديد. وكل ذلك يجعلني أغادر ليبيا وأنا أكثر تفاؤلا والتزامًا.
استثمروا في طواقم التمريض والقبالة واعملوا على تمكينها وحمايتها: إقليم منظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط يحتفل باليوم الدولي لكادر التمريض والقبالة لعام 2026
12 أيار/ مايو 2026، القاهرة، مصر - عقد المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط اليوم ندوةً إلكترونيةً إقليميةً للاحتفال باليوم الدولي لكادر التمريض والقبالة جمعت مهنيين صحيين وراسمي السياسات وشركاء رئيسيين، والمجلس الدولي للممرضين والممرضات، والاتحاد الدولي للقابلات لتسليط الضوء على الدور الحيوي الذي تضطلع به كوادر التمريض والقبالة.
وقد عُقدت الندوة تحت شعار "استثمروا في طواقم التمريض والقبالة واعملوا على تمكينها وحمايتها"، ودعت إلى تقديم دعمٍ أقوى وأكثر استدامة للقوى العاملة، لا سيّما للعاملين في البيئات الهشة والمتضررة من النزاعات. وأكد المشاركون على أن طواقم التمريض والقبالة، التي تعمل في ظروف صعبة للغاية في كثير من الأحيان، لا يقتصر دورها على تقديم خدمات أساسية، بل تضطلع أيضًا بدورٍ محوري في استمرار عمل النُظُم الصحية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة وضمان الحصول على رعاية عالية الجودة. وتُعد إسهاماتها ضرورية لبناء نُظُم صحية أكثر قدرة على الصمود. وأكَّدت صاحبة السموّ الملكي الأميرة منى الحسين من الأردن أنه "لا يمكن لأي أمة أن تحقق التغطية الصحية الشاملة دون وجود قوى عاملة مؤهلة في مجالي التمريض والقبالة". وأضافت قائلةً: "هذه لحظةٌ فارقةٌ يتعين على الحكومات العمل فيها".
وقد أسهَمَ هذا الحدث في نشر آراء طواقم التمريض والقبالة في بداية مسارهن المهني ووجهات نظرها، حيث سلَّط الضوء على إسهاماتها والتحديات التي تواجهها. وقد ركزت المناقشات على تحسين ظروف العمل، وتعزيز السلامة والعافية في مجال الصحة، وبناء نظم دعم أقوى للقوى العاملة.
وقالت المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط الدكتورة حنان بلخي: "عِمادُ كل ذلك هو طواقم التمريض والقبالة. فهي الشريحة الكبرى والأكثر أهمية من القوى العاملة الصحية، وهي المنوط بها تقديم الرعاية طوال العمر، وتدعيم ركائز الرعاية الصحية الأولية، ومواصلة تقديم الخدمات في الأوضاع الأكثر تعقيدًا".
وأكد المشاركون على أن التصدِّي للتحدِّيات التي تواجهها طواقم التمريض والقبالة يتطلب اتخاذ إجراءات ملموسة ومُنسَّقة. وتشمل الأولويات ضمان إيجاد بيئات عمل مأمونة وداعمة، وتوسيع نطاق إتاحة فرص التوجيه والتطوير المهني، وتعزيز مسارات القيادة الشاملة للمهنيين في بداية حياتهم المهنية. ولهذه الجهود أهميةٌ كبرى في إطلاق العنان للإمكانات الكاملة للقوى العاملة والنهوض بنظم صحية أكثر إنصافًا وأكثر قدرة على الصمود.
وقال الدكتور أدهم إسماعيل، مدير إدارة البرامج بالمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط: "إذا كانت جائحة كوفيد-19 قد علمتنا شيئًا، فهو أن العالم عندما يتوقف، فإن طواقم التمريض والقبالة لا تتوقف. فهي تواصل العمل، وتقدم الخدمات، وتتولى القيادة".
وإدراكًا من المكتب الإقليمي للدور الحيوي الذي تضطلع به طواقم التمريض والقبالة في تحسين الحصائل الصحية وتقديم الرعاية الأولية الموثوق بها التي تركز على الأشخاص، فقد أكد من جديد التزامه بالعمل مع الدول الأعضاء والشركاء لتعزيز القوى العاملة في مجالي التمريض والقبالة، والتصدي للتحديات الصحية الأكثر إلحاحًا في الإقليم والعالم.
كلمة افتتاحية للدكتورة حنان حسن بلخي المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط في ندوة إلكترونية بمناسبة اليوم الدولي لكادر التمريض
11 أيار/ مايو 2026
أصحاب المعالي والسعادة، الزملاء والشركاء الكِرام،
أعزائي أفراد طواقم التمريض والقِبالة،
يسعدني أن أرحب بكم في هذه الفعالية التي تُصادِفُ اليوم العالمي للقابلات واليوم الدولي لكادر التمريض.
إذ تتعرض النُّظُم الصحية في إقليم شرق المتوسط لضغوط مستمرة، وتتحمل القوى العاملة، لا سيما طواقم التمريض والقبالة في خطوط المواجهة الأمامية، العبء الأكبر من هذه الضغوط.
وما زلنا نواجه نقصًا حادًّا في الأعداد، وتفاوتًا في التوزيع، وتراجعًا متواصلًا في الاستثمار.
ويظل نحو ثلث بلدان الإقليم دون الحد الأدنى من كثافة القوى العاملة اللازمة لضمان تقديم الخدمات الأساسية، ويكافح العديد منها لتدريب طواقم التمريض والقِبالة وتوظيفها واستبقائها على النطاق المطلوب.
وتتفاقم هذه التحديات بفعل الأزمات.
إذ تشكِّل طواقم التمريض والقِبالة خط المواجهة الأول لتلك المخاطر، وغالبًا ما تعمل في ظروف غير آمنة وتحت ضغوط هائلة، بينما تسعى إلى الحفاظ على استمرارية تقديم الرعاية الأساسية.
وفي عام 2025، وقع في إقليمنا 42% من الهجمات على مواقع الرعاية الصحية على مستوى العالم، و90% من الوفيات الناجمة عن تلك الهجمات، وطال 67% من تلك الهجمات العاملين الصحيين.
وفي الوقت نفسه، تدخل طواقم التمريض الشابة وتلك التي ما زالت حديثة العهد بالمهنة مجالًا يشوبه انعدام اليقين نتيجة ضعف فرص التطور المهني، وأعباء العمل المرهقة، وفي بعض الأوضاع انعدام الأمن والنزوح.
وهذا هو السياق الذي نحتفي فيه بموضوع هذا العام: «الاستثمار في طواقم التمريض والقبالة وتمكينها وحمايتها لإنقاذ الأرواح».
ولهذا السبب أيضًا، جعلت المنظمة الاستثمار في قوى عاملة صحية قادرة على الصمود إحدى مبادراتنا الرئيسية في الإقليم.
إذ نعكف على دعم البلدان في النهوض بتخطيط القوى العاملة والاستثمار فيها، بما يتماشى مع ديناميات سوق العمل في مجال الصحة، من أجل تعزيز اتباع نُهُج أكثر استراتيجية واستدامة.
كما نضع الرعاية الصحية الأولية ووظائف الصحة العامة الأساسية في صدارة الأولويات، لأن النُّظُم القادرة على الصمود تقوم على قوى عاملة متوفرة ومؤهلة ومدعومة، في المواقع التي تكون فيها الحاجة إلى الرعاية أشد ما تكون.
ونُقرُّ بالحاجة إلى الاستثمار في القوى العاملة الصحية في المستقبل. ونعمل على إحداث تحوُّل في التعليم والتدريب، بما في ذلك من خلال التعلُّم الرقمي، لتزويد القوى العاملة بالكفاءات اللازمة للمستقبل.
ونعكف على تعزيز التنظيم والحوكمة لضمان الارتقاء بالجودة والمساءلة والمعايير المهنية في جميع أنحاء الإقليم.
وعِمادُ كل ذلك هو طواقم التمريض والقبالة.
فهي الشريحة الكبرى والأكثر أهمية من القوى العاملة الصحية، وهي المنوط بها تقديم الرعاية طوال العمر، وتدعيم ركائز الرعاية الصحية الأولية، ومواصلة تقديم الخدمات في الأوضاع الأكثر تعقيدًا.
ولكنها لا تستطيع أن تستمر في تحمُّل هذا العبء دون الاستثمار فيها باستمرار، وحمايتها والاعتراف بدورها.
وتُمثِّل الندوة الإلكترونية التي ستُعقد اليوم فرصةً للاستماع والتعلُّم وتعزيز جهودنا الجماعية، حتى نتمكن من الاستثمار في طواقم التمريض والقبالة وحمايتها وتمكينها على نحو أفضل، وضمان مستقبل الصحة في إقليمنا من خلال ذلك.
وتُعد كذلك فرصة لإبراز رؤى وتجارب طواقم التمريض الجديدة وحديثة العهد بالمهنة، في إطار بناء القوى العاملة اللازمة للمستقبل.