المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط تعرضُ رؤيةً جريئةً للصحة في إقليم شرق المتوسط: "تستحقها شعوبنا"
16 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، القاهرة، مصر - في افتتاح الدورة الثانية والسبعين للّجنة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط أمس، تحدثت الدكتورة حنان حسن بلخي، المديرة الإقليمية، عن المشكلات التي يواجهها الإقليم بشكلٍ مباشرٍ وصريح.
وتوجهت بحديثها إلى الوزراء ورؤساء الوفود وممثلي الشركاء المجتمعين فقالت: "نجتمعُ في أجواء يسودها التباسٌ تامٌ في مستقبل إقليمنا وفي الصحة العالمية. فقد اجتمعت الحروب والكوارث والنزوح وتراجُع المعونات لتزيد تفاقُمَ المآسي التي تتتابع علينا الواحدة تلو الأخرى. وما لم نتحرك لتصحيح الأوضاع، فإن التاريخ سيذكر أيامَنا هذه ضمن العصور المظلمة. ولكن ما يزال حتى اليومِ أناسٌ، ومنهم الجمع الكريم في هذه القاعة، يؤمنون بالولاية المسندة إلى هذه المنظمة، وما يزالون يؤمنون بأن الصحة حق للجميع".
وشدَّدت الدكتور حنان على أن إقليم شرق المتوسط، الذي يبلغ عدد سكانه 750 مليون نَسَمة، تَلقَّى العام الماضي ثلثَي الهجمات العالمية على المرافق الصحية، وأن المستشفيات، التي كانت ملاذًا آمنًا في السابق، أصبحت أماكن يُمارَس فيها العنف.
وأكَّدت الدكتورة حنان من جديد التزام منظمة الصحة العالمية بتحقيق الصحة للجميع، على الرغم من التحديات، وأشادت بالعاملين في الخطوط الأمامية الذين يخاطرون بحياتهم في مناطق النزاع والمناطق التي تعاني من نقص الخدمات. وأثنت على الدول الأعضاء لقيادتها في مجال حوكمة الصحة العالمية، ودورها في اتفاق المنظمة بشأن الجوائح وزيادة الاشتراكات المقدرة بنسبة 20٪. وتعكس التعهدات السخية ببذل جهود لاستئصال شلل الأطفال من جانب بلدان مثل المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، وقطر تضامنًا إقليميًا قويًا. وفي عام 2024 وحده، بلغت المساهمات الطوعية لبرنامج المنظمة للطوارئ 87.5 مليون دولار أمريكي.
واستعرضت الدكتور حنان التقدُّم المُحرَز في إطار الخطة التنفيذية الاستراتيجية الإقليمية والمبادرات الرئيسية الثلاثة في مواجهة تحديات غير مسبوقة.
استئصال شلل الأطفال
يتواصل تراجع فيروس شلل الأطفال البري في أفغانستان وباكستان، واحْتُوِيتَ الفاشيات المشتقة من اللقاحات في غزة ومصر.
الأمراض السارية
يصل التمنيع الروتيني الآن إلى 85% من الأطفال. وأدخل السودان لقاح الملاريا، وحصلت مصر على الإشهاد على خلوها من الملاريا، وكافحت التهاب الكبد B، وأصبح الأردن أول بلد على مستوى العالم يجري التحقق من القضاء على الجذام فيه.
الأمراض غير السارية والصحة النفسية
قضت المملكة العربية السعودية وعُمان على الدهون المتحولة الضارة، وتَبنَّى 14 بلدًا أفضل الممارسات في مجال السياسات المعنية بالأمراض غير السارية، ويجري إدماج خدمات الصحة النفسية في الرعاية الأولية بخطى ثابتة.
المناخ والصحة البيئية
أكثر من 150 مدينة ترصد الآن جودة الهواء، وأُدمِجَت الصحة في التخطيط للتصدي لتغيُّر المناخ في 7 بلدان.
قدرة النظم الصحية على الصمود
دعمت المنظمة جهود التعافي في العراق والسودان والجمهورية العربية السورية واليمن، وتدعم أيضًا التخطيط لمرحلة ما بعد انتهاء الصراع في غزة.
الهجرة والنزوح
تعمل الدول الأعضاء باستمرار على ضمان حصول اللاجئين والمهاجرين على الخدمات الأساسية، مع وجود مبادرات جديدة تركز على التكيف مع المناخ والحد من مخاطر الكوارث.
استخدام التكنولوجيا الرقمية في مجال الصحة والبيانات
تمضي الاستراتيجيات الوطنية لاستخدام التكنولوجيا الرقمية في مجال الصحة قُدُمًا، وثمة نماذج يُحتذى بها مثل برنامج مصر للمبادئ التوجيهية للرعاية السريرية، ومنصة بيانات الوفيات في المملكة العربية السعودية، وقد حصلت تلك المنصة على جوائز.
وسلَّطت الدكتورة حنان بلخي الضوء على التقدم المُحرَز في المبادرات الرئيسية بشأن توسيع نطاق الحصول المُنصِف على المنتجات الطبية، والاستثمار في قوى عاملة صحية قادرة على الصمود ومستدامة، وتسريع إجراءات الصحة العامة بشأن تعاطي مواد الإدمان.
ويجري تعزيز النُظُم التنظيمية، فقد بلغت المملكة العربية السعودية مستوى النضج 4 حسب تصنيف المنظمة، وتُعِدُّ لتصبح أول سلطة تنظيمية في الإقليم مُدرجة في قائمة منظمة الصحة العالمية بحلول عام 2026. ووصلت مصر إلى المستوى 3، تليها مباشرة المغرب وباكستان وتونس.
وتعمل البلدان على تعزيز القدرات الإنتاجية وتحسين نظم الإمداد من خلال الشراء المُجمَّع وتوظيف التقنيات الرقمية في المخازن. ويمضي التقارب في مجال التنظيم قُدمًا من خلال مبادرة مواءمة اللوائح التنظيمية في شمال أفريقيا التي تشمل 6 بلدان.
ومن المتوقع أن يعاني إقليمُنا عجزًا في العاملين الصحيين يبلغ 2.1 مليون عامل بحلول عام 2030. ولمواجهة ذلك، تعكف الدول الأعضاء على وضع استراتيجيات لتعزيز الرعاية الأولية، وإجراء تغيير شامل في التعليم، وتحسين الحوكمة. ويزداد التعاون الإقليمي من خلال الشراكات مع جامعة الدول العربية، والمجلس العربي للاختصاصات الصحية، والتحالف الصحي الإقليمي.
ويُعدّ تعاطي مواد الإدمان أحد التحديات المستجدة، إذ يؤثر على 6.7% من الأشخاص في الفئة العمرية 15-64 عامًا. وتدعم المنظمة البلدان في توسيع نطاق العلاج، وإدماج الرعاية الصحية في الخدمات الأولية، وتوسيع نطاق الوقاية. وثمة تحالفٌ إقليمي يعمل على إشراك المجتمع المدني وأصحاب التجارب الشخصية. وهناك أدوات جديدة مثل أطلس تعاطي مواد الإدمان والبرامج المدرسية تساعد على حماية الشباب، وبدأت باكستان ومصر العلاج ببدائل الأفيون، ويجري حاليًا تنفيذ استراتيجيات متعددة القطاعات في قطر والصومال وتونس.
وفي حين أثَّرَ خفض التمويل تأثيرًا بالغًا على العمليات، فترتب عليه إغلاق العيادات، وتَوقُّف الخدمات الصحية للأمهات والأطفال، فإن المنظمة تواصل تقديم الخدمات الأساسية، بدءًا من مكافحة الكوليرا إلى المساعدات المنقذة للحياة في غزة والسودان. وقد حشدت المنظمة 1.4 مليار دولار أمريكي في عام 2024، وأسَّست فرقة العمل الإقليمية المعنية بالتمويل الصحي لمساعدة الدول الأعضاء على تعزيز حشد الموارد محليًّا. وعلى الرغم من هذه الجهود، لا يزال 40% من الميزانية المعتمدة للفترة 2026-2027 دون تمويل.
واختتمت الدكتورة حنان البلخي حديثها بدعوةٍ للعمل، فأخبرت الوفود أن: "التضامن الإقليمي ليس محل نقاش، بل هو سبيلنا الوحيد للمُضي قُدمًا. إن الصحة في إقليمنا مسؤولية مشتركة. ولا سبيل أمامنا إلا تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لبناء نُظم تليق بشعوب إقليمنا، وقادرة على الصمود والاعتماد على الذات".
نداء القاهرة للعمل بشأن سرطان الثدي: النهوض بالإنصاف والابتكار في إقليم شرق المتوسط

16تشرين الأول/ أكتوبر 2025، القاهرة، مصر - لا يزال سرطان الثدي أكثر أنواع السرطان شيوعًا بين النساء على مستوى العالم وفي إقليم منظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، مع وجود تفاوتات كبيرة في الحصائل بين البلدان. وفي عام 2022 وحده، شُخِّص ما يُقدَّر بنحو 2.3 مليون امرأة بسرطان الثدي على مستوى العالم، وتُوفيت منهن 670,000 امرأة. وتؤكد هذه الأرقام الحاجة المُلحّة إلى إتاحة الكشف المبكر والتشخيص والعلاج على نحو منصف.
ففي البلدان ذات التصنيف الأعلى على مؤشر التنمية البشرية، تُصاب امرأة واحدة من كل 12 امرأة بسرطان الثدي في حياتها، وتتوفى امرأة واحدة من كل 71 امرأة بسبب هذا المرض. وفي المقابل، في البلدان ذات مؤشر التنمية البشرية المنخفض، لم تُشخَّص إلا حالة واحدة من كل 27 امرأة، في حين تتوفى امرأة واحدة من كل 48 امرأة، وهذا يسلط الضوء على الثغرات الحرجة في قدرة النظام الصحي وإمكانية الحصول على الرعاية. وتتجاوز هذه الإجحافاتُ الحصائلَ الصحية الفردية، وتُسهم في عبء يمتد عبر الأجيال. ففي عام 2020، تَيَتَّمَ 1.04 مليون طفل بفقدان أمهاتهم بسبب الوفيات الناجمة عن السرطان، وكان ربع هذه الوفيات مرتبطًا بسرطان الثدي.
وفي إقليم شرق المتوسط، تُصاب أكثر من 130 ألف امرأة بسرطان الثدي الذي يتسبب في 52 ألف وفاة سنويًّا. ويتفاقم هذا العبء بفعل عوامل خطر متعددة، منها الفقر المتأصل، والبنية الأساسية الصحية المحدودة، وقلة الوعي، وضعف الإقبال على الفحص، والحواجز الثقافية التي غالبًا ما تهمش الاحتياجات الصحية للمرأة. وتؤدي هذه التحديات إلى تأخير التشخيص والعلاج، وهذا يقلل معدلات النجاة من مرض يمكن علاجه بنسبة كبيرة عند اكتشافه في وقت مبكر.
وتعكس نسبة الإصابة إلى الوفيات في جميع أنحاء الإقليم هذه التفاوتات. ففي عام 2022، أبلغ الأردن عن 60 حالة سرطان ثدي في كل 100,000 امرأة، وبلغ معدل الوفيات 19.3 في كل 100,000 امرأة. وعلى الرغم من انخفاض معدل الإصابة في الصومال إلى 38.6 حالة لكل 100,000 امرأة، فقد ارتفع معدل الوفيات إلى 25.7 حالة لكل 100,000 امرأة. وأما مصر التي فيها أحد أعلى معدلات الإصابة، إذ يبلغ 55.4 في كل 100,000 امرأة، فقد أبلغت عن معدل وفيات يبلغ 19.8 وفاة في كل 100,000 امرأة.
ويتوقع "تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 2024 عن سرطان المرأة في إقليم منظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط: تحليل الوضع ومسوغات الاستثمار" أنه في غياب التدخلات الموسَّعة، ستصل الخسائر الاقتصادية الناجمة عن سرطان الثدي إلى 408 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2050. ومع ذلك، فإن الاستثمار في التشخيص المبكر والعلاج الشامل يحقق عائدًا مُقنِعًا يتراوح بين 6.4 و7.8 دولارات أمريكية لكل دولار أمريكي مُستَثمَر.
وقد خطت المبادرة الرئاسية المصرية بشأن صحة المرأة، منذ إطلاقها في عام 2019، خطوات كبيرة في تحسين حصائل سرطان الثدي. والبرنامج متوائمٌ مع المبادرة العالمية لمنظمة الصحة العالمية بشأن سرطان الثدي، ويركز على التوعية على مستوى المجتمعات المحلية، والفحوص السريرية السنوية للثدي للفئات المعرضة للخطر، ومسارات الإحالة السريعة للتشخيص والعلاج. ويُظهِرُ هذا النموذج قوة الالتزام السياسي والرعاية المتكاملة، ويقدم نهجًا يمكن تكراره في البلدان الأخرى ذات الدخل المنخفض والمتوسط.
وقال معالي وزير الصحة والسكان في مصر الدكتور خالد عبد الغفار: "إن نداء القاهرة للعمل يعكس التزام مصر الراسخ بالنهوض برعاية مريضات سرطان الثدي من خلال الإنصاف والابتكار والمشاركة المجتمعية. وإننا فخورون بأن نكون قدوة حسنة من خلال المبادرة الرئاسية بشأن صحة المرأة، وندعو جميع بلدان الإقليم إلى الانضمام إلينا لضمان عدم تخلف أي امرأة عن الرَكب".
وفي 23 كانون الثاني/ يناير 2025، استضافت المبادرة الرئاسية المصرية حوارًا رفيع المستوى بشأن النهوض بالإنصاف والابتكار في رعاية مريضات سرطان الثدي عُقِدَ على هامش المؤتمر الدولي السابع عشر لسرطان الثدي وأمراض النساء والأورام المناعية، الذي عُقِد في القاهرة. وضم الحدث راسمي السياسات والقيادات الصحية والخبراء لمناقشة الاستراتيجيات الرامية إلى سد الفجوة في الإنصاف وتسريع الابتكار في مجال رعاية مريضات سرطان الثدي.
وانطلاقًا من هذه المداولات، أُطلِق نداء القاهرة للعمل، الذي حدَّد مجموعة من الالتزامات الرئيسية لدفع عجلة التقدُّم الـمُحرَز في جميع أرجاء الإقليم. وهو بمثابة إطار عملي وموحد لتحفيز الشراكات وتوسيع نطاق التدخلات المُثبَتة والفعالة والمسندة بالبيِّنات والمبتكرة، بما يضمن عدم إهمال أي امرأة. ويمثل هذا النداء خطوة ملموسة نحو النهوض بالتضامن الإقليمي والعمل الجماعي المستدام من أجل صحة المرأة وعافيتها في جميع أنحاء الإقليم وخارجه.
وقالت الدكتورة حنان حسن بلخي، المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط: "إن نجاح نداء القاهرة للعمل يعتمد على الوحدة والشراكة. فمن خلال العمل الجماعي الذي يضم الحكومات والمجتمع المدني والمؤسسات العالمية، يمكننا إحداث تحوُّل في حصائل سرطان الثدي في جميع أنحاء الإقليم. وهذه هي اللحظة المناسبة لننطلق نحو العمل والابتكار والوفاء بوعد تحقيق الإنصاف في مجال الصحة لجميع النساء".
ويحدد الإطار الإجراءات ذات الأولوية للحكومات الوطنية والمجتمع المدني والشركاء العالميين. وتشمل هذه الأولويات تعزيز الوعي العام من خلال حملات تراعي الاعتبارات الثقافية، وتقوية نُظُم الرعاية الصحية الأولية، والاستثمار في البنية الأساسية للتشخيص والعلاج، وتوسيع نطاق الحصول على الدعم النفسي الاجتماعي وخدمات توجيه المرضى. ويدعو الإطار أيضًا إلى إدماج بيانات سرطان الثدي في نُظُم المعلومات الصحية الوطنية وإنشاء منصات إقليمية للتعاون والتعلم.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية وشركاؤها من جديد التزامهم بدعم الدول الأعضاء في تنفيذ نداء القاهرة للعمل، والمضي قُدمًا نحو عهدٍ جديدٍ من التضامن الإقليمي والتعاون العالمي في مجال رعاية مريضات سرطان الثدي.
تعافي النُّظم الصحية في الأوضاع الهشة والمتأثرة بالنزاعات في إقليم شرق المتوسط البداية المبكرة تحقق نتائج أكثر رسوخًا

تناقش الدورة الثانية والسبعون للجنة الإقليمية كيفية جعل تعافي النظام الصحي استثمارًا عالي المردود للنهوض بالإنصاف والأداء والسلام المستدام
القاهرة، 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 - في ظل الوضع الحالي، سيحتاج إقليم شرق المتوسط إلى سنوات من إعادة البناء في البلدان المتضررة من الصراعات المديدة والهشاشة. وبالنسبة لسكان الإقليم، الذين لا زالوا يعانون الصدمات البدنية والنفسية ويعيشون في ظل ظروف الجوع وسوء التغذية، وبالنسبة للنُظُم الصحية التي شهدت تدمير المرافق الصحية وحصارها واختطاف الأطباء، فإن الأثر الضار على الصحة لا حدود له.
وفي الوقت الذي تجتمع فيه الدول الأعضاء في القاهرة، مصر، للمشاركة في الدورة الثانية والسبعين للجنة الإقليمية لشرق المتوسط، لا تزال الأعمال العدائية مستمرة في الأرض الفلسطينية المحتلة؛ ويواجه السودان أكبر نزوح في أي مكان في العالم؛ ويستمر العنف في اليمن وسوريا ولبنان إما بشكل متقطع أو يزداد عمقًا.
وقد أدى تأثير تغيُّر المناخ والكوارث الطبيعية إلى زيادة العبء بشكل بعيد المدى. وواجهت أفغانستان، التي تعاني بالفعل من هشاشة بالغة، زلزالًا آخر الشهر الماضي، في حين تعاني باكستان المجاورة الفيضانات المتكررة الناجمة عن تغير المناخ، ويمر العراق بالعام الأكثر جفافًا منذ عام 1933، وهي واحدة من أسوأ موجات الجفاف التي سُجلت حتى الآن.
ويواجه إقليم شرق المتوسط في الوقت الحالي 16 حالة طوارئ مُصنَّفة، ويوجد أكثر من 115 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدات. وقد أدت تلك الأزمات المتزامنة والممتدة التي تتمثل في النزاعات المسلحة والكوارث وفاشيات الأمراض وآثار تغير المناخ والانهيار الاقتصادي إلى إرباك المؤسسات، وتعطيل تقديم الخدمات الأساسية، وزيادة الحاجة إلى المساعدات الإنسانية.
وتبحث الورقة التقنية بعنوان تعافي النظم الصحية في الأوضاع الهشة والمتضررة من النزاعات في إقليم شرق المتوسط - التي تُعرَض في الدورة الثانية والسبعين للجنة الإقليمية احتياجات تعافي النظم الصحية في الإقليم، وتبين الإجراءات الاستراتيجية للدول الأعضاء والشركاء.
إن تعافي النُّظم الصحية ليس ترفًا، بل ضرورة استراتيجية. ولا يُقصَد بالتعافي الاقتصار على استعادة القدرات التي فقدها النظام الصحي، بل يمتد أيضًا إلى وضع تصوُّر جديد للنظام الصحي وإعادة بنائه ليصبح أقوى وأكثر إنصافًا وأكثر قدرة على تحمُّل الحقائق السابقة والصدمات المستقبلية على حد سواء، تماشيًا مع الاحتياجات الخاصة للبلدان والمجتمعات المحلية.
وإذ تسلط الورقة الضوء على التحديات الهائلة، فإنها تدعو إلى ضرورة أن تتبنى عملية إعادة البناء نهجَ "إعادة البناء على نحو أفضل"، فلا تقتصر على تلبية الاحتياجات الفورية فحسب، بل تعالج أيضًا الدوافع الأساسية للصراع والهشاشة، مع النهوض بالتغطية الصحية الشاملة والأمن الصحي.
ويُقدِّم الإطار التشغيلي المُبيَّن في الورقة التقنية بعنوان تعافي النُظُم الصحية في الأوضاع الهشة والمتضررة من النزاعات في إقليم شرق المتوسط نهجًا عمليًا يمكن تكييفه مع ظروف كل بلد، ويتماشى مع برنامج العمل العام الرابع عشر للمنظمة، والخطة التنفيذية الاستراتيجية الإقليمية للمنظمة، ويستند إلى الدروس المستفادة من جميع أنحاء الإقليم.
إن تعافي النظام الصحي جسرٌ يوصلنا إلى السلام. فالنُظُم الصحية المنُصفة والقادرة على الصمود تُسهم في شرعية الدولة وثقة المجتمع، وهذا يساعد على إعادة تكوين النسيج الاجتماعي الذي مزقته الأزمة. وعندما تكون جهود التعافي شمولية وتسير وفقًا توجيه قيادة وطنية وتستجيب للاحتياجات المحلية، فإنها يمكن أن تساعد في التخفيف من العوامل المسببة للهشاشة والنزاع. وبهذه الطريقة، تصبح الرعاية الصحية ليس مجرد خدمة، بل أساسًا للوفاق والقدرة على الصمود والسلام على المدى الطويل.
والدول الأعضاء مدعوة إلى اعتماد القرار المرافق لهذه الورقة والذي يُعد خطوة مهمة في مسيرة تحقيق التغطية الصحية الشاملة والأمن الصحي وغير ذلك من أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالصحة.
ولكن أطر العمل وحدها لا تكفي، بل نحتاج الآن إلى الإرادة السياسية، والتمويل المستدام، والالتزام القوي من جانب الدول الأعضاء بالعمل، ولا سيما في البيئات الأكثر تعقيدا ومعاناةً من الإهمال.
ولقد أثبت إقليم شرق المتوسط من قبل أن التعافي أمر ممكن، ولو في ظل الهشاشة الشديدة. والتحدي الماثل أمامنا الآن هو ضمان إضفاء الطابع المؤسسي على عمليات التعافي، والتخطيط لها ودعمها، لأن مستقبل الصحة في الإقليم يعتمد على ذلك.
تحديث خاص عن الطوارئ الصحية قُدِّم في الدورة الثانية والسبعين للجنة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط
15 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، القاهرة، مصر - عُرِضَ اليوم في الدورة الثانية والسبعين للّجنة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط تحديثٌ خاصٌ عن حالات الطوارئ في إقليم شرق المتوسط. وتجمع هذه الدورة التي تستمر ثلاثة أيام، وبدأت أعمالها اليوم في المكتب الإقليمي للمنظمة في القاهرة، وزراء الصحة وأعضاء الوفود الرفيعي المستوى من الدول الأعضاء في الإقليم البالغ عددها 22 دولة، وممثلين عن المنظمات الشريكة والمجتمع المدني.
وقالت الدكتورة حنان حسن بلخي، المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط في كلمتها التي ألقتها في افتتاح هذه الدورة: "نجتمعُ في أجواء يسودها التباسٌ تامٌ في مستقبل إقليمنا وفي الصحة العالمية. فقد اجتمعت الحروب والكوارث والنزوح وتراجُع المعونات لتزيد تفاقُمَ المآسي التي تتتابع علينا الواحدة تلو الأخرى. وما لم نتحرك لتصحيح الأوضاع، فإن التاريخ سيذكر أيامَنا هذه ضمن العصور المظلمة. ولكن هناك أناس منا - ومنهم الحاضرون في هذه القاعة - لا يزالون يؤمنون بولاية هذه المنظمة، ولا يزالون يؤمنون بحق الجميع في الصحة".
ويوجد في إقليم شرق المتوسط أعلى تركيز لحالات الطوارئ الإنسانية على مستوى العالم. فهناك أكثر من 115 مليون شخص - أي ما يقرب من شخص واحد من كل ستة أشخاص في أنحاء الإقليم - يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية. والمنظمة تستجيب في الوقت الحالي إلى 15 حالة طوارئ مُصنَّفة في الإقليم، منها ثماني حالات بلغت أعلى مستوى حسب درجات التصنيف. ويستضيف إقليم شرق المتوسط ما يقرب من نصف النازحين داخليًا في العالم أجمع، وأكثر من نصف جميع اللاجئين في العالم أجمع. وأدت الأزمات الإنسانية الكارثية في السودان وغزة، وحالات الطوارئ المديدة في أفغانستان واليمن والصومال وسوريا، إلى دفع النظم الصحية إلى حافة الهاوية، إذ يواجه بعضها أزمات متصاعدة، مثل الزلازل الأخيرة في أفغانستان. وفي الوقت نفسه، انخفض الدعم الإنساني الدولي إلى مستوى قياسي، وهذا يهدد بتقويض المكاسب التي تحققت بشق الأنفسِّ في مجالات الأمن الصحي وترصُّد الفاشيات ومكافحتها.
وقالت الدكتورة أنيت هاينزلمان، القائمة بأعمال مدير البرنامج الإقليمي للطوارئ، خلال هذه الدورة: "إن البيئة التي نعمل فيها تتغير، لكن ليس للأفضل. ونحن نواجه تراجعًا في إمكانية إيصال المساعدات الإنسانية، وتلاشيًا لاحترام القانون الإنساني الدولي، والتمويل العالمي وصل إلى نقطة الانهيار. وتواجه خطة الاستجابة الإنسانية العالمية فجوة تمويلية نسبتها 80%، وهي نسبة غير مسبوقة لانخفاض الدعم في وقت تسجل فيه الاحتياجات ارتفاعًا قياسيًا. إن نظام المساعدات الإنسانية يشهد بعض التغييرات في ظل وجود خيارات وموازنات صعبة. وبالنسبة إلى المنظمة، فإن هذا يعني أننا نعاني نقصًا في التمويل وزيادة في الضغوط، لكن ذلك لا يثبط عزيمتنا. فنحن نواصل تقديم الخدمات لأن تكلفة تقاعسنا عن العمل تُقاس بعدد الأرواح التي تُزهَق".
وقد أحرزت منظمة الصحة العالمية وشركاؤها تقدمًا كبيرًا في جميع أنحاء الإقليم على الرغم من التحديات الهائلة. ففي العام الماضي، ظلت معدلات الوفيات من الحالات المصابة في ثمانٍ من أصل تسع فاشيات للكوليرا ضمن حدود المعايير الدولية، إذ بلغت أقل من 1٪. وتجاوزت معدلات الشفاء من سوء التغذية الحاد الوخيم للأطفال الذين أُدخِلوا إلى أكثر من 600 مركز إسعاف تدعمه منظمة الصحة العالمية 80%. وفي غزة، تُعَدُّ المنظمةُ أكبر الجهات التي توفر الأدوية والإمدادات الأساسية، حيث تقدم الوقود والسلع الطبية إلى 51 شريكًا في 32 مرفقًا وتتيح أكثر من 22 مليون علاج وجراحة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023. ودعمت المنظمة أيضًا الإجلاء الطبي لما مجموعه 7,841 مريضًا، منهم 5,405 طفلًا.
وفي السودان، تواصل المنظمة دعم المستشفيات ومراكز إسعاف حالات سوء التغذية، وإيصال الأدوية الأساسية، والمساعدة على احتواء فاشيات الكوليرا والحصبة وسط النزوح الجماعي وظروف المجاعة. وقد تلقى أكثر من 17 مليون شخص لقاحات الكوليرا الفموية بين آب/ أغسطس 2024 وآب/ أغسطس 2025 بعد أن تمكنت المنظمة من الوصول إليهم. وتظل المنظمة الجهة الوحيدة التي تقدم الإمدادات إلى مراكز الإسعاف التي تعالج سوء التغذية الحاد الوخيم المصحوب بمضاعفات طبية، وتدعم علاج ما يقرب من 30,000 طفل يعانون من سوء التغذية الوخيم في الأشهر التسعة الأولى من عام 2025.
وفي أفغانستان، وفي أعقاب زلزال آب/ أغسطس، نشرت المنظمة أفرقة للاستجابة السريعة في غضون 24 ساعة، وسَلَّمَت أكثر من 52 طنًا متريًا من الإمدادات الطبية، وقَدَّمَت 13,000 استشارة في غضون أيام.
وأخبرت الدكتورة حنان بلخي الوزراء والوفود بأن: "العمل الذي تؤديه منظمةُ الصحة العالمية وشركاؤها لا غنى عنه لحماية الأمن الصحي وإنقاذ الأرواح كل يوم. فلولا شريان الحياة الذي توفره المنظمة، لشهدنا مستويات أعلى كثيرًا من حالات الوفاة والمرض. وبرنامج الطوارئ أشد مجالات عمل المنظمة تضررًا من التخفيضات الأخيرة في التمويل. ونحن نحتاج إلى دعمكم للحفاظ على قدرتنا على تلبية الاحتياجات العاجلة".
وأقَرَّت الدول الأعضاء بأن الأمن الصحي مسؤوليةٌ جماعيةٌ تتطلب مزيدًا من الاستثمارات في التأهُّب، والقدرة على الصمود، والتعاون عبر الحدود، وتبادل المعلومات، وأشارت إلى أن الطوارئ الصحية لا تسبب انتكاسات فورية فحسب، بل تهدد أيضًا المكاسب الإنمائية على المدى الطويل. وسُلط الضوء على التمويل المستدام الذي يمكن التنبؤ به بوصفه أمرًا بالغ الأهمية للتأهُّب والاستجابة، مع الاعتراف بصندوق المنظمة الاحتياطي للطوارئ آليةٌ حيويةٌ، إذ يتيح اتخاذ إجراءات فورية عند وقوع الأزمات.
وقال الدكتورة أنيت هاينزلمان، مخاطبةً الدول الأعضاء والوفود: "إن مناشدتنا لكم بسيطةٌ ولكنها عاجلة: ساعدونا على استمرار القدرة على الاستجابة لحالات الطوارئ، وخصصوا التمويل لحماية وظائف المنظمة والدول الأعضاء في إدارة الطوارئ، وكونوا مناصرين لحماية الرعاية الصحية ودعم مبادئ الإنسانية والقانون الإنساني الدولي. وإذ وصل اتفاق مكافحة الجوائح إلى شكله النهائي، فلنستعد معًا لمواجهة التحدي العالمي المُقبل. لأن التأهُّب ليس تكلفة نتكبدها، بل استثمارٌ في السلام والاستقرار وفي حياة شعوبنا".