تنشئة الأطفال في بيئة صحية: نداء لحماية الأطفال، ضماناً لمستقبل العالم يوم الصحة العالمي، 7/4/2003

تحتفي منظمة الصحة العالمية، ومكتبها الإقليمي لشرق المتوسط، هذا الأسبوع، بيوم الصحة العالمي، والذي سيكون شعاره لهذا العام : (( تنشئة الأطفال في بيئة صحية ضمان للمستقبل )).

 ويمثِّل اختيار هذه القضية الصحية موضوعاً ليوم الصحة العالمي، فرصةً فريدةً لإلقاء  الضوء على الأخطار التي تحيق بالأطفال في البيئة التي يعيشون فيها، واستنفار الهمم لمكافحة هذه الأخطار، عن طريق زيادة وعي الجمهور بها، بشكل عام، والتأثير في ما يتم إقراره من سياسات، واتِّخاذه من قرارات، في هذا الشأن.

وقد تتسَّبب المخاطر البيئية في حدوث ما يصل إلى ثلث عبء المرض في العالم، ويقع ما يزيد على 40% من عبء الأمراض على الأطفال دون سن الخامسة من العمر، والذين يشكلون ما نسبته 12% فقط من سكان العالم. وفي عام ألفَيْن، لقي ما يزيد على 5 ملايين طفل، دون سن الخامسة عشرة من العمر، حتفهم، نتيجة لبعض الأمراض التي زادت حدتها  بسبب البيئات غير الصحية. كما أن غالبية الوفيات التي تحدث لما يناهز 13 ألف طفل، يومياً، ترجع إلى الأخطار الموجودة في البيئات التي يعيش فيها هؤلاء الأطفال، ويتعلمون، ويلعبون، وينمون. ولا يَخْفَى أن الأمراض المتصلة بالبيئة يمكن أن تقتل يومياً، ما يساوي حمولة طائرة نفاثة من طراز الجامبو، من الأطفال. ويقتل الإسهال وحده، 1.3 مليون طفل، نتيجة لعدم مأمونية الطعام والمياه، وعدم تطبيق قواعد النظافة بشكل كافٍ. وتقتل الأمراض التنفسيـة، والتي يزيـد مـن تفاقمهـا، تلوث الهواء داخل المنـازل، ما يصل إلى 2 مليون طفل. بينما يموت 400 ألف طفل من جراء الإصابات، والتي من بينها، حوادث الطرق، والغرق، والحروق، والتسمُّم. علماً بأن ما نسبته 5% من الوفيات الناجمة عن الحوادث في البلدان النامية، يرجع إلى التسمُّم بالمواد السامة.   

ويشكِّل السكان دون سن التاسعة عشرة من العمر حوالي 50% من سكان إقليم شرق المتوسط، وهو إقليم يتزايد فيه القلق بسبب تدهور صحة الأطفال، نتيجةً لتلوُّث البيئة التي يعيشون، ويتعلمون، ويلعبون، وأحيانا يعملون فيها. فالأمراض التنفسية، وأمراض الإسهال، والإصابات، والملاريا، وكلها أمراض تُعزَى مباشرةً إلى الظروف البيئية، تتسَّبب في وفاة ما يزيد على 43% من الأطفال دون سن الخامسة، في الإقليم. فالعديد من العوامل البيئية تتهدَّد صحة الأطفال، ومنها الطعام الملوَّث، والمياه غير النقية، والهواء الملوث داخل المنازل وخارجها، وحوادث الطرق، والحوادث المنزلية، والإسكان غير المأمون، والأمراض التي تنقلها النواقل، والتعرُّض للآلاف من المواد الكيميائية التخليقية، ودخان السجائر، والملوِّثات في ألعاب الأطفال. وعوامل الخطر البيئي غالباً ما تصيب الإنسان في وقت واحد، وتستفحل آثارها نتيجة للظروف الاجتماعية والاقتصادية غير المواتية، ولاسيَّما الفقر، ثم إن الكوارث الطبيعية، وتلك التي يصنعها الإنسان، مثل الحرب، والاحتلال، والاضطرابات الأهلية، تسبِّب المزيد من المخاطر. فالأطفال الذين يعيشون في ظل الحروب، والنزاعات، يعانون جسمانياً، ونفسياً، مما يؤثـِّر تأثيراً هائلاً على نموهم النفسي والاجتماعي، وبالتالي، على التنمية الصحية والاقتصادية في البلد.

والأطفال هم أكثر الفئات تأثـُّراً بمخاطر البيئة، لأنهم  في حالة ديناميكية من النمو، فتتضاعف خلاياهم، وتتطور أعضاؤهم بمعدل سريع. وإذا أردنا أن نقارن بينهم وبين البالغين، فإن الأطفال يتنفسون المزيد من الهواء، ويستهلكون المزيد من الطعام والمياه، بالنسبة لأوزانهم. كما إنه كلما ارتفعت النسبة بين وزن الجسم ومساحة السطح، وطالت مدة (( العمر الاختزاني ))، كلما زاد تأثـُّر الأطفال بالمخاطر البيئية. فأجهزة الأطفال المناعية، والغذائية، والتناسلية، وجهازهم المركزي للأعصاب، تتأثـَّر بالمخاطر الصحية أكثر من البالغين؛ ثم إن التعرُّض لبعض السموم البيئية قد يؤدي إلى أضرار لا يمكن الشفاء منها، علاوة على أنها تسبِّب الأمراض في المستقبل. والأطفال يتعرضون أكثر للمواد الخطرة، لأنهم يقضون سنوات حياتهم الأولى بالقرب من الأرض، ولأنهم، عادةً، يضعون كل ما يصل إلى أيديهم إلى أفواههم، إلى جانب عدد آخر من السلوكيات والأوضاع الخاصة بهم.

وفي هذا الصدد قال الدكتور حسين الجزائري، المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط: (( إن الأطفال هم ركيزة التنمية المضمونة الاستمرار؛ والاستثمار في بُقياهم على قيد الحياة، وفي حمايتهم، ونموهم، ونمائهم، وتمتعهم بصحة جيدة، والحرص في توفير التغذية السليمة لهم، هو أساس التنمية البشرية. وينبغي تنفيذ هذه الاستثمارات، في إطار التعاليم الدينية، والتقاليد، والقِيَم، والثقافات التي تميِّز إقليمنا. فتوفير بيئة داعمة، ضروري لحماية صحة الأطفال، وتعزيزها )).

والأطفال هم بالفعل في مقدمة اهتمامات المكتب الإقليمي. فقد أولى المكتب موضوع صحة الأطفال أولوية عليا، وانتهج استراتيجية متكاملة من أجل تأمين حياة صحية لأطفالنا، هي استراتيجية المعالجة المتكاملة لأمراض الطفولة. ويجري حاليا ً الإعداد للمبادرة الإقليمية المعنيَّة بتنشئة الأطفال في بيئة صحية، باعتبارها جزءاً من التحالف العالمي لتوفير البيئات الصحية للأطفال، والتي أكَّد عليها، مؤتمر القمة العالمي حول التنمية المضمونة الاستمرار. ولابد أن ترتَكِز هذه المبادرة على المشاركة الفعالة، والملتزمة، من قِبَل مختلف الأطراف المؤثـِّرة، مثل أصحاب القرار، وقادة المجتمع، والمدرسين، والمهنيين الصحيين، والمنظمات اللاحكومية، والقطاع الصحي، وحتى العائلات نفسها. وقد تم تشكيل فريق عمل بالمكتب الإقليمي ، يُعنى بتقييم الأولويات، وتوجيه السياسات المعنيَّة  بحماية أطفال الإقليم من المخاطر الموجودة في البيئات التي يعيشون فيها.

وقد أوضحت الخبرة المكتسبة حتى الآن، أن مشاركة المجتمع التامة في إيجاد الحلول المناسبة لمشكلات الصحة والبيئة، وتنفيذ هذه الحلول، يُعَدُّ خطوة هامة نحو النجاح. والأطفال ذاتهم يمثِّلون قوى ديناميكية، وفعَّالة لحماية البيئة؛ فهم يهتمون اهتماماً حقيقياً بالطبيعة، ويبدون حماساً شديداً للحفاظ على كوكبهم. فإذا ما تم تقديم الدعم الكافي للأطفال، يصبح بإمكانهم اكتساب المعارف المفيدة، واللازمة، للمشاركة في الأنشطة البيئية، والمساهمة بطريقة فريدة، وبالكثير من النشاط، والبصيرة، في إيجاد الحلول.

وقد قرَّر المكتب الإقليمي تأجيل الاحتفال بيوم الصحة العالمي، هذا العام، نظراً للوضع المتردِّي في الإقليم، والحرب الدائرة ضد العراق. بَيْدَ أن المكتب يناشد جميع السلطات الصحية، والأطراف المعنيَّة في بلدان الإقليم، أن لا يهملوا هذا الحدث، وأن يحرصوا على إعطائه العناية، والاهتمام اللذين يستحقهما.

صفحة النشرات

صفحة البداية الرئيسية