شبكة تعريب العلوم الصحية أحسن  
Arabization Of Health Sciences Network 
AHSN

خبار المؤتمرات

المؤتمر العالمي حول  الدستور الإسلامي للأخلاقيات الطبية والصحية
في الفترة من 29 شوال ـ 2 ذو القعدة 1425هـ
الموافق : 11 ـ 14 ديسمبر 2004 م

رجوع

كلمة
الدكتور حسين عبد الرزاق الجزائري
المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية
لإقليم شرق المتوسط
في
المؤتمر العالمي الثامن للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية
حول
(( الدستور الإسلامي للأخلاقيات الطبية والصحية ))
المكتب الإقليمي، القاهرة، مصر، 11 - 14 كانون الأول/ديسمبر ‏2004‏

 

أصحاب الفضيلة والمعالي والسيادة،

أيها الزملاء الكرام،

أيها السيدات والسادة،

يسعدني أن أرحِّب بكم في المؤتمر العالمي الثامن للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، التي شرفتنا هذا العام بعقده في المكتب الإقليمي، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، ومجلس المنظمات الدولية للعلوم الطبية، وشبكة جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا، وأن أخُصَّ بالشكر الأخ الدكتور محمد عوض تاج الدين وزير الصحة والسكان، ممثلاً للسيد الدكتور أحمد نظيف راعي هذه التظاهرة العلمية الحاشدة، ومساهماً بفكره النيِّر وآرائه الثاقبة التي طالما أفدنا منها في حل العديد من المشكلات. وتنبع أهمية هذا المؤتمر منْ أن المشاركين فيه، وهم من خيرة فقهائنا وعلمائنا وباحثينا، سيبحثون موضوعاً بالغ الأهمية وهو الدستور الإسلامي للأخلاقيات الطبية والصحية، وهو موضوع طال انتظاره. وتنعقد الآمال حول مؤتمرنا هذا للإجابة عن عدد من الأسئلة الملحَّة، ورسم مساراتٍ واضحة ينتهجها أطباؤنا في مزاولة مهنتهم وإجراء أبحاثهم، في وقتٍ يتَّسم بتعقُّد مظاهر الحياة وتعدُّد مذاهبها.

واسمحوا لي بادئ ذي بدء أن أشكر المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية التي كانت وراء هذا الحدث الهام، فقد انطلقت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بعملها مطلع عام واحد وثمانين، مع أول إشعاع للقرن الخامس عشر الهجري؛ وتميزت من بين الأسماء الكثيرة للمنظمات التي ترفع راية خدمة العلوم، وتبذل جهدها لرفعة الطب، بوضوح الرؤية، وسداد المنهجية، والتزام الوسطية والاعتدال، واستمرار النشاط، وشمولية المساهمة.

وكم يَسْعَدُ المرءُ حينما يعلم أن المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية قد نجحت حتى الآن في عقد ما يقرب من ثلاثين لقاءً علمياً، وأنها كانت تجمع في كل لقاء منها بين العلماء المتخصصين والفقهاء الوَرعين، وأنها تنتقي من المواضيع ما يستعصي على الناس حلُّه من مشكلات حياتهم اليومية، ومنها هذا الموضوع الذي سنتناوله اليوم بالمناقشة والدراسة وهو الدستور الإسلامي للأخلاقيات الطبية والصحية، مع التطرق إلى الأبحاث التي تُجرى على الإنسان في إطار الوثيقة العالمية للأبحاث الطبية، التي أعدها مجلس المنظمات الدولية للعلوم الطبية CIOMS، ثم إلى العلاقات بين الطبيب وزملائه ومرضاه ومجتمعه. ولا يسعني إلا أن أتقدَّم بعاطر التحية وطيِّب الثناء على من يسَّر الله على أيديهم تأسيس هذه المبادرة، ووفَّر لهم كل أساليب الاستمرار والمتابعة فيها، وعلى رأسهم أخي وصديقي الدكتور عبد الرحمن العوضي، وكل من تجاوب معه وحرص على التعاون معه من أهل الذكر في شؤون الدنيا والدين، والله وحده هو الذي يستطيع أن يوفيهم جزاءهم الأوفى.

ويسعدني أيضاً غاية السعادة أن أرحب بالأخوة من المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، وهي المنظمة التي تركت بصمات واضحة على ساحات العمل التربوي والعلمي والثقافي في معظم البلدان الإسلامية، منذ قيامها في مطلع القرن الخامس عشر الهجري وحتى اليوم، فرسَّخت في الإذهان أن الإسلام عقيدة سمحة، وثقافة بنَّاءة، وحضارة إنسانية، ومنهج للحياة، وأكدت أنه قوة روحية وأخلاقية وثقافية وحضارية كان لها ولا يزال إسهامٌ بالغ الأهمية في إثراء الحضارة الإنسانية، وتحقيق التعارف، وتقوية الإخاء والصداقة، ونشر السلم بين شعوب العالم، وتقوية الحوار المثمر مع الثقافات الأخرى، لتحقيق التعايش الحضاري، الذي يكفُل احترام الذاتية الثقافية للشعوب كافة، مع الالتزام بمبادئ العدالة والمساواة والتضامن والتكافل، لتقوية التعاون فيما بينها للنهوض بالتربية والعلوم والتقانة والثقافة والاتصال، بالوسائل الملائمة كافة.

ولا يفوتني أيضاً  أن أتقدَّم بالشكر الجزيل إلى شبكة جامعة عجمان ورئيسها الأخ الفاضل الدكتور سعيد عبد الله سلمان الذي لم يألُ جهداً في توضيح الكثير من الملفَّات الهامة وتبيين المسارات والآفاق المستقبلية لها. وإلى مجلس المنظمات الدولية للعلوم الطبية CIOMS الذي أعد بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية والمنظمة الطبية للعلوم الإسلامية، الدلائلَ الإرشاديةَ الدولية لأخلاقيات البحوث التي تجرى على الإنسان.

وأغتنم هذا المؤتمر للتشرُّف بلقاء الكثير من العلماء الأجلاَّء، والاستماع إلى الكثير من المفكِّرين الأفاضل، وأرى من الواجب عليّ أن أشكرهم على تلبيتهم الدعوة، وتجشُّمهم عناء السفر من أماكن بعيدة للمساهمة في هذا المؤتمر، وإنني إذ أخص بالذكر والشكر من جاء من أقاصي الشرق، من إندونيسيا وماليزيا، ومن أقاصي الغرب من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، لا أنسى الترحاب بعلمائنا الأجلاَّء من سائر البلدان العربية والإسلامية، وإنني على ثقة بأننا جميعاً سنتذكر طويلاً هذه المناسبة الجميلة التي جمعتنا اليوم، وسيتذكَّر الأطباء والعاملون في الخدمات الصحية النتائج التي ستسفر عنها اجتماعاتكم في الأيام القليلة المقبلة كلما اضطرتهم ممارستهم للإفادة منها.

أيها السيدات والسادة،

لقد أصبح من نافلة القول أن أهمية هذا الموضوع بالنسبة لنا جميعاً وبالنسبة لمنظمة الصحة العالمية على وجه الخصوص، ترجع إلى ما قطعته منظمة الصحة العالمية على نفسها من عهود بالعمل على البلوغ بالناس، كلِّ الناس، أفراداً ومجتمعات، من توفير للصحة، بأعلى مستوى ممكن، في الأماكن التي يعيشون فيها، وبالتكاليف التي يطيقونها. وهذا الحرص على توفير الصحة للجميع يسانده من الناحية النظرية على الأقل، ماتتَّسم به الحضارة المعاصرة من التسارع الكبير والمطَّرد في الإنجازات العلمية والتكنولوجيا، وحرص المجتمعات على اللهاث وراءها لحصد المكاسب والمنافع مما تنتجه من الاكتشافات والبحوث، ولو أن الواقع الذي نعيشه اليوم حمل مفاجأة للناس لم يكونوا يتوقَّعونها من قبل، وطرح عليهم تحدِّيات تركت الحليم منهم حيران، فلا تزال المؤشرات الصحية متردية في البلدان النَّامية، ولازال الدخل يقل عن مستوى خط الفقر في معظم أرجاء العالم، على الرغم من توافر الموارد والمخترعات، ومردُّ ذلك بالدرجة الأولى إلى تلك الأزمة في الأخلاق والقِيَم التي يعيشها العالم بأسره.

ونحن متفقون على أن القِيَم الأخلاقية الحميدة تصدر جميعها عن مشكاةٍ واحدة، وتتبع مساراً واضح المعالم، ينتشر في مشارق الأرض ومغاربها، قِيَم تكرِّم الإنسان لإنسانيته التي كرَّمها الله، وتحفظ له حقوقه الأساسية، بالحياة والحرية وحفظ الممتلكات والصحة والكفاية في جميع مراحل حياته، ولنتذكر على الدوام أن ما نقصده بالأخلاق هو تلك الأخلاق الإيجابية التي يعتنقها المرء بحرية، ويتحمل مسؤوليتها بالتزام كامل، ومكانة الإنسان من هذه القيم الأخلاقية تحددها المبادئ التالية:

أولاً: الإنسان مكرَّم يقول الله عز وجل: ]ولقد كرمنا بني آدم[، وهذا التكريم يقتضي المحافظة عليه في صحة تامة ومعافاة كاملة، والمحافظة على خصوصيته؛

ثانياً: الشريعة وُضعت للمحافظة على الضروريات الخمس، وهي الدين والنفس والنسل والمال والعقل، كما يقول الإمام الشاطبي في الموافقات، وثلاثٌ من هذا الضرورات الخمس، وهي النفس والنسل والعقل لا تكتمل المحافظة عليها إلا بحفظ الصحة؛

ثالثاً: الحياة حق لكل إنسان، وهي محترمةٌ مقدَّسةٌ مُدَافَعٌ عنها، وقيمةُ النفس البشرية الواحدة تَعْدِلُ قيمةَ البشر جميعاً، يقول الله عز وجل: ]ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا[، والاعتداء على حياة أي نفس بشرية، ولو كانت جنيناً أو شيخاً أو معوقاً، عدوان على البشر جميعاً: ]من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً[؛

رابعاً: العدل والإحسان قيمتان من أهم القيم، والعدل في اللغة التي نزل بها القرآن يتضمن معنى المساواة، كما يتضمن معنى الجودة، فالحسن هو الجيد، ولفظة الإحسان تتضمن أيضاً تلك اللمسة الرفيقة الحانية، وتتضمن نفسية العطاء، حيث يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه بل يؤثره على نفسه ولو كانت به خصاصة، في حين يتضمن الإحسان صحوة الضمير ومراقبة الله في كل شيء. يقول النبي r ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه )). وقد تم تطبيق هاتين القيمتين العدل والإحسان منذ صدر هذه الحضارة التي ننتمي إليها ونعتز بها، فلا عجب أن نجد أن الإسلام يعتبر الصحة حقاً للإنسان دون تمييز بسبب اللون أو الجنس أو الدين، وأن رعاية الإنسان في نظر الإسلام تبدأ منذ الولادة، بتأمين الإرضاع الصحي، وتستمر حتى الشيخوخة بتأمين العيش الصحي، وهي بين هذا وذاك لا تغادر مريضاً أو شيخاً أو مقعداً أو مصاباً إلا غمرته بالرعاية اللازمة.

أيها السيدات والسادة

لعلكم تشاطرونني الرأي بضرورة عقد الملتقيات والندوات والمؤتمرات للبحث في الموضوعات المهمة في مجال أخلاقيات الطب والصحة في هذا العصر الذي نحن فيه، والتي لا تكاد تختلف عما كانت عليه هذه المشكلات في الماضي في جزء منها، ولكنها في جزء منها قد انفتحت أمامها أبواب كبيرة تحتاج منا إلى كثير من التفكير وكثير من التداوُل، وكثير من التباحث، وكثير من الخطوات الجادة الجريئة التي نستطيع بها أن نحقق العدالة في تقديم الخدمات الصحية إلى الناس جميعاً، دون تفريق بين غني وفقير، وبين عاجز وقادر، وبين أحدٍ ينتمي إلى دين معين، أو إلى دولة معينة، أو إلى عرق معين، وهذا هو التحدي الذي نواجهه جميعاً.

 وفي الختام أتقدم بالثناء الجميل على الإخوة والزملاء الذين بذلوا جهدهم في إعداد الوثائق الأساسية التي ستستعرضونها وتناقشونها في مؤتمركم هذا ... هذه الوثائق التي ستغتني بمشاركتكم، وستكتسب شكلها النهائي المقبول في ختام جلساتكم، وهي في وضعها الراهن الذي تجدونه في ملفاتكم وحقائبكم تحتاج إلى إغنائها بالكثير من الدراسة والمناقشة.

والله أسأل أن يوفقنا جميعاً إلى ما فيه خير البلاد والعباد.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،