شرَّفَني الأخُ الكريم الأُستاذ الدكتور عبدَ الكريم
خليفة، فَطَلَبَ إليّ أن أُحَدِّثكُمْ بموضوع بالغ
الشَأْن، ألا وَهُوَ تعريبُ العلومِ الطبية. وأنا أشكُرُ
له حُسْنَ ظنِّه، فَقَد حَسِبَني أهلاً للحديث في ذلك..
وما أنا في حقيقةِ الأمر إلا كما قال أبو عليٍّ البصير:
|
ولكنَّ البلادَ إذا اقْشَعَرَّت |
|
وصَوَّحَ نبتُها رُعِيَ الهشيم! |
عَلَى أنّ أخي عبدَ الكريم عَلَى رِقّةِ طبعِه، ودماثةِ
خُلُقه، وخَفْضِ جَناحه، يُلقي عَلَى المرء ظِلالَ مَهابةٍ
ذاتِ خَفَر.. ولقَدْ هِبْتُهُ مَرَّتَيْن: مَرةً حين
لبَّيتُ دَعْوته الكَريمة وأنا أدْرى بمكانتي ومُكْنَتي..
داعياً الله أن يُجنِّبِني التَكَلُّف، ويُعيذَني من
الخَطل، ويَحمِيَني من العُجْبِ بما يكون منّي والِثقَةِ
بما عندي، ويجعلَني من المحسنين.. والمَرة الثانِية حينَ
لم أسألْهُ ما الذي يَعْنِيهِ بِهَذا العنوان الذي
افْتَرضَهُ عَليَّ. وأُصارِ حُكُمُ القولَ إنَّني لم أدْرِ
ولستُ إخالُ أدْري، أكانَ يقصد إِلَى ذلك الحِصارِ
المضروبِ عَلَى اللغة العربية، والجدارِ الذي هُوَ
بأسْوارِ السِجْن أشْبَه، يُحْتاطُ لغَتنا العربيةَ
العلميَّة ويحُولُ بينَها وبينَ حُرِّيةِ الانْعِتاق
والانْطِلاق، وتلكَ قضيَّةُ تعليم العلومِ الطبيةِ باللغة
العربية؛ أم كان يعني خلاصةَ التجربةِ المتواضعةِ التي
عانَيْناها في وَضْع المصطلَحاتِ واشتقاق الكَلِم، ثُمَّ
في نَقْلِ العلوم الطبية إِلَى العربية؟ أو قُلْ: أكانَ
يريدُ أن أُناقِشَ أصْلَ القضيَّة، أمْ أتحدَّث عن
التطبيق! وأقول: هِبْتُ أن أسألَه، فرأيتُ أنْ لا أفْصِل
بين الأمرَيْن، وأنْ أبدأ بالحديث عن الأصْلِ مُنْتَقِلاً
إِلَى الفرْع إذا سَمَحَ الوقت، وإلا فلِذلكَ مَقامٌ غيرُ
هَذا المقام.
ولقَدْ جَرَت العادةُ في الكلام عن تعريب العلومِ الطبية
بالمعنى الأول، أن يَسْتَعْرِضَ المُتَحدِّثُ حُجَجَ
القائلينَ بالتعريب والقائلينَ بِعَدَمِهِ، بِرَصانَةٍ
واتِّزانٍ وموضوعية، ثم يُعَقِّبَ عَلَيها بما يريد.
وَكذلك سَوَّلَتْ لي نفسي!
ثم أحْسَنَ الله بي فَصَرفني عن بُنَيّاتِ الطريق،
وألْهَمَني أن أسلُكَ الطريقَ اللاحِبَ والجادَّة الصريحةَ
القاصِدَة، وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل - ومنها جائر -!
فاسمحوا لي أن أضَعَ القضيَّةَ في مَوْضِعِها الحقيقيِّ
كما هُوَ الواقع، في إطار الصراعِ الحضاريِّ الذي تخوضُهُ
هذه الأمة، عَلَّنا نفتحُ عيونَنا عَلَى الخُيُوطِ التي
تُنْسَجُ منها حياتنا تحتَ ظلامٍ دامس، قَدْ أطلَقَهُ
المَسْتَعْمِرُ ليُخْفِيَ عنّا مكرَهُ بنا وخداعَهُ لنا،
فإذا تمَّ نسيجُ هذه الحياة لَبسناها كأنَّها حياةٌ نابعةٌ
من سرِّ أنفُسنا، وبذلك يتمكَّن أن يقودَنا كالأنعام، ونحن
نحسبُ أنَّنا إنَّما نقودُ أنفُسَنا، وأننا نتصرَّف في هذه
الحياة تَصرُّفَ الحُرِّ الذي لا سُلْطانَ لأحدٍ عَلَيه.
وَهَذا هُوَ المعنى الذي رَمَيْتُ إليه قبل قُرابةِ شهر،
حين عَقَّبْتُ تعقيباً مختصراً في مؤتمر المجمع الملكي
لبحوث الحضارة الإسلامية، واستعملتُ مصطلَح « القابلية
للاستعمار » الذي وضعه أخي الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله.
وقلتُ آنذاك إنه حينما بُعِثَ النبيُّ
r
كان ثَمَّةَ مستعمِرون فُرْسٌ ومستعمِرون رُوم، وكان
ثَمَّةَ مستعمَرون فِعْلاً، من غَساسِنَة ومَناذِرَة،
ومستعمَرون حُكْماً وهم سائرُ العَرَب، ولكنَّ دعوةَ
الإسلام قَضَتْ عَلَى ذلك الاستعمار بوجوهِهِ القبيحةِ
جميعاً في سنواتٍ قليلةٍ من الزمان، وما كان ذلك إلا لأنَّ
الإسلامَ قَدْ قَضَى عَلَى قابلية الاستعمار!
ما الذي أعنيه بقابلية الاستعمار؟
اسمحوا لي - وأنا طبيبٌ - أن ألجَأ إِلَى مصطلَح الطب
أستعيرُهُ لأُفْصحَ عمّا أريد. فَقَد كَشَفَت البحوث
الطبيةُ والحيويةُ في العَقْدَيْن الأخيرَيْن، أن خلايا من
خلايا البَدَن، تَحْمِلُ عَلَى سطحها ما يدعونه «
المُسْتَقْبِلات »
receptors
لِمُخْتَلِفِ الموادّ. فتلك الخلايا التي تكون مَحلاً
لفعلِ مادةٍ معينَّة: دواءٍ معيَّن أو سُمٍّ معيِّن، أو
مُفْرَز معيَّن، تكون مِنْ قَبْلُ قَدْ حَملَتْ عَلَى
سطحِها مُسْتَقْبِلةً تفتَحُ لهذه المادَّة ذراعَيْها
وتَتَلَقَّفُها، فتدخُلُ فيها كما يدخُلُ المفتاحُ في
القُفْل. ومتى تَمَّ ذلك انْفَتَحَت الخليةُ المستهدَفة
أمام المادَّة المستهدِفة، وأخذت المادةُ الطارئة تفعل
فِعْلَها، وتَجلَّى هَذا الفعلُ بسلوك.
ولستُ أريدُ أن أخوضَ كثيراً في التفاصيل، ولكنّي أُومِنُ
بوجودِ كثيرٍ من أوْجُهِ التَشابُهِ بينَ هذه الخلايا
البدنية وبين الخلايا الاجتماعية، أو بين البدن بِرُمَّته
والمجتمع بِرُمَّته.
فالأمَّةُ التي تَتَّصِفُ بالقابلية للاستعمار، تَحْمِلُ
عَلَى سَطْحِها وفي طَيّاتِها عديداً من المُستَقْبِلاتِ
للمَكايِدِ التي يُطْلِقُها الاستعمار - وَهُوَ شديدُ
المِحال -!
والاستعمارُ يُطْلِقُ سِهاماً مُخْتَلِفَة، يَتَلقَّفُها
من المُسَتَقْبِلاتِ ما هُوَ مستعدٌ لها مهيّأٌ
لاستقبالها. فَهُوَ يَسْلُك مثلاً أسلوبَ مصارعة الثيران:
يَشْغَلُ بالَ الثور - الذي هُوَ الإنسان القابِلُ
للاستعمار - بقضيَّةٍ جانبيَّة يُرَكِّزُ عَلَيها هجومَه،
كَمِثْلِ تلكَ البُرْدَةِ الحمراء التي يحملها مُصارعُ
الثور بِيَدِهِ ليُلهِيَ الثورَ بها فَيَصْرفَه عن نفسه.
وبذلك يَغْفُلُ الإنسان عن قضيَّتِهِ الأساسيَّة،
ويَسْتَقْتِلُ في المعركة الجانبيّة التي تَسْتَنْفِد
قُواه.
ولعلَّ أوْضَحَ مثالٍ عَلَى هَذا الأسلوب، ما اتَّبعه
الاستعمارُ في موضوع لغة التعليم. فَهُوَ يعلم أنها قضيةٌ
جوهرية، وأنَّ من الخَطَر الشديدِ عَلَيه أن يكونَ
التعليمُ باللغةِ الوطنية، فيأتي بُبردةٍ حمراءَ يُطْلِق
عَلَيها اسم « مُسْتَوَى التعليم » ويُوْهِمُ الناسَ بأنَّ
القضيةَ الجوهريةَ هي قضية مُستوى التعليم، ثم
يُوْهِمُهُمْ أنَّ مستوى التعليم يَنْخَفِضُ إذ كان
التعليمُ باللغة الوطنية. وتدورُ رَحَى المعركة في هَذا
المُنْعَطَف الجانبيّ، تَسْتَغْرِقُ جُهودَ
المُعْتَرِكِينَ وتَلْفِتُهم عن قضيّتهم الأصلية التي
أرادَ الاستعمارُ صرْفَهُمْ عنها، فيكون له ما أراد...
أما المستهدَفون الذين أطلقَ عَلَيهم الاستعمارُ هذه
المكيدة، فَمَوْقِفُهُمْ مختلفٌ جداً. فأما أولئك الذين
يتمتَّعون بقابلية الاستعمار، فإنهم يَتَلَقَّفون هذه
المكيدة تَلَقُّفاً ويؤمنون بها ويَدْعُونَ لها ويكافحون
في سبيلها، وجُلُّ هؤلاء من المخلصين الذين أُخذوا من
غَفْلَتِهِمْ وهم يظنُّون أنهم يخوضون معركتهم الحقيقية.
أما الذين لا يحملون في جلدتهم مُسْتَقْبِلاتٍ تَتَلَقَّفُ
المكايِدَ الاستعمارية، فإن هذه البُردَةَ الحمراءَ لا
تَغُشُّهُمْ ولا تخْدَعُهُمْ وإنما يَبْحَثُون عن حقيقةِ
الأمر وجَوْهَرِ القضيةَ.
وقَدْ حَدَث مثلُ ذلك في المغرب. فَقَد كانَ طبيعياً أن
يُعَرَّبَ التعليمُ بعدَ الاستقلال. ثم إذا بالأبواق
تُنْفَخْ بعد سنين بانخفاض مستوى التعليم. وقَدْ كانَ ذلك
حقاً، فَقَد تَدَنَّى مستوى التعليم عَمّا كان عَلَيه مِنْ
قَبْل. ولكنَّ اللجنةَ التي أُلِّفَتْ للنظر في الموضوع،
لم تكُنْ بالغفلةِ التي كان يرجوها الاستعمار. فجاءت
بالكُتُبِ التي يَدْرُسُها الطفل في المرحلة الابتدائية
جميعاً. وجَرَّدَتْ ما فيها من مفاهيم فكان عددها « س »
مثلاً. وصَنَعتْ مثلَ ذلك في الكُتُبِ المماثلة التي
تُدَرّس في سائر البلدان العربية فكان العدد دائماً « س »
ينقصُ قليلاً أو يزيد قليلاً. ثم جاءَتْ بالكُتُب التي
يَدْرُسُها الطفل في فرنسا في المرحلة نفسِها، وجَرَّدَتْ
ما فيها من مفاهيم فكان عددها « ع ». وصَنَعَتْ مثلَ ذلك
في الكُتُب المماثلة التي تدرّس في سائر البلدان الأوروبية
فكان العدد دائماً « ع » ينقص قليلاً أو يزيد قليلاً. ولكن
« السين » لا تكاد تَصِلُ في أحسن الأحوال إِلَى نِصْفِ «
العين ». فالقضية ليست إذنْ قضيةَ « لغة » التعليم وإنما
هي قضيةُ « مُحتوى » التعليم. أما سببُ هَذا التَفاوُتِ
الهائل فما أظنُّ حسابَ الاحتمالاتِ وقوانينَ المُصادَفَة
بِقادِرَيْنِ عَلَى أن يُقَدَّما له تفسيراً.. ولكنَّ هَذا
موضوع آخر.
وأنا أنْقُلُ عن مقالةٍ نفيسة للأستاذ الجليل أحمد الأخضر
غزال، أحدِ أعضاء اللجنة التي أسْلَفْتُ الحديثَ عنها،
منشورةٍ في مجلة البحث العلمي المغربية سنة سبع وستين يقول
فيها:
«... بعدَ إحصاءاتٍ عديدة ومتنوِّعة، غايتُها مقارنةُ
الكُتُب الأوروبية الرسمية (في إسبانيا وفرنسا وايطاليا
وألمانيا وانجلترا) بالكُتُب العربية كيفَما كان بلدها.
وما أثْبَتْنا هنا من أرقامِ يُعْتَبَرُ مُعَدَّلاً بين
الكتب الأوروبية وبين الكتب العربية:
|
|
الكتاب الأجنبي |
الكتاب العربي |
|
الحيوانات |
112 اسماً |
44 اسماً |
|
النباتات |
95 اسماً |
22 اسماً |
|
جسم الإنسان |
50 اسماً |
11 اسماً |
|
المحسوسات |
370 اسماً |
106 اسماً |
|
الأوصاف |
262 اسماً |
94 اسماً |
|
الأفعال |
444 اسماً |
250 اسماً |
|
المجموع |
1333 |
527 |
ثم يقول أخيراً: « وإذا انخفض المستوى فهناك سَببٌ، وَهَذا
السَبَبُ هُوَ أننا لا نتعلَّم بِلُغَتِنا ما نتعلَّمُهُ
بلغةِ غيرِنا »!
ولو أنَّ أعضاءَ اللجنة كانوا كأولئك الذين يقرِّرون لغةَ
التعليم العالي في كثيرٍ من البلاد العربية،
لاسْتَمالَتْهُم البردَةُ الحمراء، بُرْدةُ مستوى التعليم،
وجَعَلَتْهُمْ يعودون بالتعليم الابتدائي في المغرب إِلَى
اللغة الفرنسية... ولكن الله سَلَّم!.
وما دُمْتُ في هَذا الصَدَد، فَلأضرِبْ مثلاً آخَرَ
ألْصَقَ بلغة التعليم، وَهُوَ تعليمُ الطب في مصر.
بَدَأ التدريسُ الطبيُّ في مصر سنة
1827
يوم أسَّسَ محمد علي في أبي زَعْبَل ثم في قصر العيني أولَ
مدرسةٍ للطب الحديث، وكانت لغةُ التعليم بالطبع هي
العربية. وأقولُ بالطبع، لأن هَذا هُوَ الأمْر الطبيعيُّ
الذي تستَوجِبُهُ طبائع الأشياء: أن يكونَ تعليمُ كُلِّ
قومٍ بِلُغَتِهِمْ... وَهَذا هُوَ الواقعُ الآن في كُلِّ
بلادِ الدُنْيا إلا بلادَ العرب... وكان أوّلَ من شَمَّرَ
عن ساعدَيْه لإتقانِ العربية ثم التعليم بها: الطبيبُ
الفرنسيُّ العالِمُ كلوت بك، فَقَد تَخلّى عن قومِهِ
ومطامعهم، وأخلَصَ للبلد الذي كان به حَفِيّاً، وَرَعا -
لله دَرُّهُ - تعليمَ الطب في مصر باللغة العربية تعليماً
دام قُرابَةَ سبعين سنة. أما الكُتُب التي كانوا
يُدَرِّسون بها فهي اليومَ بين أيدينا، وقَدْ أفَدْنا منها
الكثيرَ الكثير في وضع المعجم الطبي الموحد، وهي تشهَدُ
بالمستوى العلمي الراقي الذي كان عَلَيه ذلك التعليم،
والذي لم يكن لِيَقِلَّ عن مِثلِه في أيِّ بلد من بلدان
الغرب آنذاك.
ثم بَدَأتْ مَكايِدُ الاستعمارِ وهجماتُهُ تَتَوالى، حتّى
انتهَتْ بالاحتلالِ الانكليزي لمصرَ في ثمانينات القرن
الماضي. وتَرافَقَت المراحلُ الأخيرةُ السابقةُ للاحتلال،
بمُحاوَلات مكتوبة ومنشورة لعددٍ من دُهاةِ الأوروبيين،
الذين جاؤوا إِلَى مصر ليمهّدوا لما حَدَثَ بعد ذلك، وكان
منهم فيلهلم شبيتا Wilhelm
Spitta
مدير دار الكتب المصرية، وخَلَفُهُ كارل فولَرْس
Karl
Vollers،
وكان منهم باوَل J.
A.
Pawel
وويلمور Seldon
Willmore
وهما قاضيان بالمحاكم الأهلية بالقاهرة، ووِيْلكوكس
William
Willcoks
مهندسُ الريّ بالقاهرة. وقَدْ أصدر الأوَّل سنة 1880 كتاب
« قواعد العامية في مصر »
Vulgardialectes von
Agypten
Grammatik
des
Arabischen
وقَدْ طُبعَ في لَيْبزيغ، والثاني كتاب « العامّية
المصرية المعاصرة » The
Modern
Egyptian
Dialect
of
Arabic
وقَدْ طُبعَ في كمبريدج، والثالث «العربية المَحْكِيَّة في
مصر » The
Spoken
Arabic
of
Egypt
وقَدْ طُبعَ في لندن؛ كما ألقى ويلكوكس محاضرةً بالعربية
سنة ثلاثٍ وتسعين وثمانمئةٍ وألف عنوانها: « لِمَ لمْ توجد
قوةُ الاختراع لدى المصريين الآن؟ » ونشرها في مجلة
الأزهر. وَسَأقْتَطِفُ مِنْ « بليغ » كلامهم مُقْتَطفاتٍ
قصيرةً أورَدَتْها الأستاذة الدكتورة نفوسة زكريا سعيد، في
كتابها النفيس « تاريخ الدعوة إِلَى العامية وآثارها في
مصر ».
قال شبيتا: « وأخيراً سأجازفُ بالتصريح عن الأمل الذي
راوَدَني عَلَى الدوام طَوالَ مُدَّةِ جمعِ هَذا الكتاب،
وَهُوَ أملٌ يتعلَّق بمصر نفسِها، ويمسّ أمراً هُوَ
بالنسبة إليها وإِلَى شعبها يكادُ يكون مسألةَ حياةٍ أو
موت.. فَكُلُّ مَنْ عاش فترةً طويلة في بلادٍ تتكلم
العربية، يعرف إِلَى أيِّ حدٍّ كبير تتأثَّرُ كُلُّ نواحي
النشاط فيها، بسبب الاختلافِ الواسع بين لغة الحديث ولغة
الكتابة ».
وجاء في كتاب ويلمور فقرةٌ يُناشِدُ فيها الحكومةَ
المَصْرية لِتَعْتَرِفَ بالعامية وتُقِرَّها، ويُناشِدُ
الانجليز لتدعيم هذه العامية ليساعدوا عَلَى تَقَدُّم
الشعبِ الروحي كما ساعدوا مِنْ قَبْلُ عَلَى تَقَدُّمِهِ
في الحياة المادية (كذا)!!
أما ويلكوكس فَقَد جاء في محاضرته:
«... ولما أرادَ الله رَفْعَ هذه الأمة (يعني الانكليز
والأمريكان)، وإظهارَها عَلَى الأمم وتأييدَ سلطانِهمْ،
أيقَظَ أفرادَها من نومِهِمْ ونَبَّهَهُمْ من غَفْلَتِهِم،
وألْهَمَهُمْ أنَّ الحجابَ بينهم وبين تَرَقّي معلوماتهم
إنما هُوَ تسطيرُ أفكارِهِمْ بِهَذا اللسان المهجور الخفي
(يعني اللاتينية) فأخذت علماءُ انكلترا تبحث عن اللغة
المشهورة القوية الشائعة بين فَلاحِيهِمْ (كذا)..
إِلَى أن يقول:
« وأنتم أيها المصريون، لَنْ تزالوا قادرينَ عَلَى إيجاد
قوةِ الاختراع لديكم كما فَعَلتْ انكلترا، فإنه يوجدُ فيكم
أناسٌ كثيرون توفَّرَتْ فيهم الشروط المارة، ولكنْ بسبب
عدم وجود لسان علمي مشهور فيما بينكم، لم تتحصَّلوا عَلَى
شيء وأضَعْتُمْ أعمالَكُمْ سُدى ».
إِلَى أن يقول:
« ربما يقول أحدُكُمْ: حيثُ لم يوجد لسان حيٌّ أكتب به
فأكتب بلسان أجنبيٍ كالانكليزي، فأقول له لا تُغَرِّر
بنفسك في بحر شديد الأهوال كثير الأمواج من غير نتيجة.
فإنه لا يمكن أنَّ اللغة الأجنبية تكفي في تحرير كتب توصلُ
إِلَى قوة الاختراع. غايةُ الأمر أنها تساعدُ نوعاً من
المساعدة. فحينئذٍ يمكننا أن نقول إن لغة الانسان الحية
كامرأة حسناء واللغة الأجنبية كالجارية، والسِتُّ أحسنُ من
الجارية، ولكن إذا كانت لغتُهُ خفيَّة (وَهُوَ يعني بذلك
الفُصْحى) تكون مثل الجارية وعندئذ تكون (الأجنبية) أحسنَ
منها. وأقولُ هَذا عن أصدقاء ومعارفَ كان يمكنهم أن
يتبوّؤوا مركزَهُمْ بين مهندسي العالم في الأقطار الأخري،
لولا أنهم كانوا يفكّرون بلغةٍ ويكتبون بأخرى..» انتهى ما
اقتبسناه من كلامه.
فنحن نرى أنه يطرحُ حقيقةً واقعةً في حياة الأمم، وهي أنَّ
استعمالَ اللغةِ الأجنبية في التفكير والتعبير لا يمكنُ أن
يؤدِّيَ إِلَى قوةِ الاختراع، ولكنه سرْعانَ ما يصرفُ
النظر عنها، بأن يَبْنِيَ عَلَيها الدعوة إِلَى العامية
بدل الفُصْحَى.
وقَدْ تَبعَ هؤلاء في دعواهم نَفَرٌ من الكتّاب في
مقَدْمتهم سلامة موسى، وأيدتهم مجلات متعددة في طليعتها
المقتطف والهلال... ثم لمّا لمْ تُفْلِحْ هذه الدعوات في
صَرْفِ الناس عن الفُصْحَى التي تؤلِّفُ للمجتَمَع
المصريِّ لحُمةَ بُنْيانِهِ وتحْفَظُ عَلَيه تَماسُكَه،
ألقى المُسْتَعْمِرُ القِناعَ عن وجهه، وَجاء دَنْلُوب
بنظامه المخيف فقلب لغة التعليم إِلَى الانكليزية، وانشأ
نظاماً يضمَنُ خَفْضَ المستوى العلمي والحضاري في أبناء
الأمة إِلَى ما شاء الله، وكان من جرّاء ذلك أن تم تحويل
لغة تعليم الطبّ في طبّ قصر العيني إِلَى الانكليزية...
فلعلَّ أحداً يستطيع إقناعي بأن هَذا التحويل كان لمصلحة
تعليم الطب للمصريين ولإيجاد قوة الاختراع لديهم وليساعد
عَلَى تقَدُّم الشعب الروحي كما ساعَدَ مِنْ قَبْلُ عَلَى
تَقَدُّمِهِ في الحياة المادية!!
في نفس الوقت الذي كان المصريون يحاولون فيه تَلَمُّس
سُبُل نهضتِهِمْ في أواخر القرن الماضي، كان اليابانيون
يصنعون مثل ذلك في ثورة الميجي
Meiji()..
فَقَد أرسلوا البُعُوثَ إِلَى أوروبة لتعودَ فتنقلَ العلمَ
إِلَى لغة اليابان.. ولكن لم يُتَحْ لليابانيين أن
يَستَمتَعُوا بنعيم الاستعمار البريطاني الذي يساعد عَلَى
تَقَدُّم الشعب الروحي كما ساعَدُ عَلَى تَقَدُّمِهِ في
الحياة المادية، فماذا كانت النتيجة؟ ما أظَنُّ المرءَ
بحاجةٍ إِلَى الحديث عن حضارة اليابان وعَظَمَة اليابان!
وقَدْ كانت مصر مؤهَّلَةً لمثلِ ذلك لولا أنْ وَأدَ
الاستعمارُ ذلك الأمَلَ بتحويل لغة التعليم إِلَى لغةٍ
أجنبية، فقضى بذلك - كما يشهد أحدُ أساطِينهِمْ - عَلَى
قوّة الإبداعِ والاختراع... ولم يَكْتَفِ بذلك بل أقْنَعَ
المصريّين الذين تخرَّجوا عَلَى نظام دنلوب أنه إنما فعل
ذلك لترْقِيَتِهِمْ وتَمدِينهم، وأنَّ تعليمَهُمُ الطبَّ
باللغة الانكليزية سيرفَعُهُمْ من الحمْأةِ التي كانوا
فيها يومَ كانوا يُعَلِّمون الطبَّ بالعربية سبعينَ
عاماً... وها قَدْ مضى عَلَى هذه النكسة تسعون عاماً
ومازالوا ينتظرون!
واسمحوا لي أن أعودَ إِلَى الحديث عن أساليبِ الاستعمار.
وسأكتفي بمثالٍ ثانٍ فَحَسْبِ، يُزَيِّنُ فيه الاستعمارُ
لأولئك الذين يَسْتَهْدِفُهُمْ أمراً معيَّناً عَلَى أنه
بديهيةٌ مُسَلَّمة، ووسيلة مضمونةٌ للوصول إِلَى الغاية
الكريمة، ولكنه يكون بذلك قَدْ نَصَبَ لهم فَخّاً، لا
يلبثون أن يَقَعُوا فيه، إن كانوا يَتَحَلَّون بخاصية
القابلية للاستعمار. هَذا المثال يتلخّص في شعارٍ طالما
طرحناه عَلَى أنه يمثِّلُ مَطْمَحاً من أهمِّ مَطامِحنا
القومية: « الحقوق تُؤْخَذُ ولا تُعطى ». وغايةُ هَذا
الشعار أن يجعل الإنسان لاهِثاً في البحث عن حَقِّه،
مُنْتَزِعاً له أو مُسْتَجدِياً له عَلَى حدٍّ سواء...
ويضيع في خِضَمِّ ذلك بحثُهُ عن الواجب، فيتألّف مجتمعِ «
اليد السفلى » كما يسمّيه الإسلام، وَهُوَ مجتمعٌ لا يمكن
له أن يؤدّي رسالة حضارية أو أن يَنْطَوِيَ عَلَى أملٍ من
آمال التقَدْم والرُقيّ. ولعل هَذا الأمر من أهم الأمور
التي نَبَّهَ عَلَيها النبيّ
r
حين كان يجْتَثُّ جذورَ القابلية للاستعمار من المجتمع
العَرَبي الذي أقامه عَلَى أساس الإسلام، فَقَد كانت
وصيّتهُ للمؤمنين، حتّى في أحْلَكِ الظروف، ويوم تكون
الأثَرَةُ والأمورُ التي يُنْكِرُونَها: « تُؤَدُّون الحقّ
الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم ». وما كان ذلك
تَواكُلاً من التَواكُل، ولكنه فهمٌ عميق لطبيعة الأشياء..
فليسَ يَخْفى أنّ قيامَ كُلٍّ بواجبه يعني بالطبع
تَوَصُّلَ كُلٍّ إِلَى حقه، ولكنْ عَلَى أن يكونَ ذلك من
مُنْطَلَقٍ إيجابي.. من مُنْطَلَقِ نفسية العَطاء.. من
مُنْطَلَق اليد العليا.. من مُنْطَلَق الذين يؤثرون عَلَى
أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.. مجتمعٌ كَهَذا لا يمكن أن يكون
قابلاً للاستعمار! بل إنّا لنذكر كيف أنَّ عمارَ بن ياسر
رضي الله عنه كان يحمل حِمْلَ رَجُلَيْن اثنين وَهُوَ
يساهم في بناء مسجد المدينة الأول، الذي كان رمزاً
لِبُنْيان الحضارة وتعبيراً عن الروح الجديد في المجتمع
الجديد..
مثلُ ذلك أو شبيهٌ به حَدَث في دمشق في أوائل هَذا القرن.
فَقَد أُسِّسَتْ في دمشقَ سنة تسعَ عشرة، مدرسةٌ طبيّةٌ
عربيةُ اللسان باسم « المعهد الطبي العربي »، في عهد حكومة
الأمير فيصل بن الحسين قبل أن يُتَوَّج ملكاً عَلَى سورية.
وكان هَذا المعهدُ خَلَفاً « لمدرسة الطب العثمانية » التي
فتحت أبوابها في دمشق سنة ثلاث. وكان التدريسُ في هَذا
المعهد - الذي أصبحَ فيما بعد كليةَ الطب، في الجامعة
السورية ثم جامعةِ دمشق - باللغة العربية. ولم يَقْوَ
الانتدابُ الفرنسي الذي فُرِضَ عَلَى سورية بُعَيْد إنشاء
المعهد واستمرّ ربع قرن من الزمن، لم يَقْوَ عَلَى تحويله
عن ذلك، وَكُلُّ ما في الأمر أنْ زِيْدَ في مناهجه درسُ
اللغة الفرنسية، وأُدخِلَ في عداد هيئة التدريس ثلاثةُ
أساتذة فرنسيين يلقون محاضراتهم بالفرنسية، وكانت هذه
المحاضرات تُتَرجَمُ في باديء الأمر إِلَى العربية.
أساتذةُ المعهد الطبي أولئك انطلقوا من مُنْطَلَق القيام
بالواجب! آمَنَ كُلٌّ منهم بأنَّ لغةَ الأمة ضمانةٌ
لِحُسْنِ الاستيعاب وحُسْنِ الإبداع فيما بعد.. وكان كثيرٌ
منهم « عَمّارِيَّ » النزعة يحمل حِمْلَ إنسانَينْ في
مرحلة البناء..
وأستميحُكمْ عُذْراً فَقَد كادَ الحياءُ يمنعني من الحديث
عن رجلٍ منهم للِصِلَةِ التي تربط بيني وبينه، فَقَد كان
شيخي وأستاذي وصديقي.. وأبي.. الطبيب الجراثيمي أحمد حمدي
الخياط رحمه الله وأحْسَنَ إليه.. ولكنَّ أمانةَ التاريخ
أقوى عندي من حياءِ القُرْبى..
كانَ رَحِمهُ الله رجلاً ساكنَ الهيبة، رقيقَ الحاشية،
ساحرَ الابتسامة، رفيقَ اليد واللسان، حُلْوَ المنطق،
خفيضَ الصوت، ذكيَّ العينين.. ولكنَّه كان قبل ذلك كله
وفوقَ ذلك كله من الذين يؤمنون بالعَمَلِ الصامِتِ
الدَؤُوب، ولذلك بَقِيَ مُبْتَعِداً عن ضوضاءِ السياسة
وبريقِ الأضواء، مُنْصَرفاً إِلَى عَمَلِهِ الجِدّيِّ في
تعريب الطب. وقَدْ حَدَّثَنا عنه بعضُ أساتذتِنا من
طُلابِهِ، أنَّهم كانوا يَرَوْنَهُ بين المحاضرة
والمحاضرة، يَتَسلَّل إِلَى غرفته، فيغيبُ فيها عنهم
حيناً، ثم يعودُ لِيُعاوِدَ العَمَل. فلمّا دَفَعَهُمُ
الفضولُ إِلَى التحرِّي عما يفعل، وجدوه يأتي بِرِفاداتٍ
يُبَلِّلُها بالماء البارد فَيَضَعها عَلَى رأسه ليُخَفِّف
ما به من احتقان، حتى يستطيعَ أن يُتابع العمل دون
تَوَقُّف. ثمَّ لا يكاد بعد ذلك يرفع عينيه عن كتابٍ
ينظُرُ فيه، أو لفظةٍ يُنقِّرُ عنها، أو مصطلَحٍ قَدْيم
يجلوه، أو كتابٍ هُوَ حصيلةُ ذلك كله يُصَنِّفُه ثم
يَضَعُهُ بين أيدي أبنائه وطُلابه.
ولكنه لم يَكُنْ إلا واحداً من رعيلٍ من العلماء الذين
انقطعوا للعلم، ولكنهم آمنوا بأنَّ هَذا العلمَ يجب أن
يكونَ بلغَتِهمْ وبمصطلحاتِهمْ وألفاظهم.. لم يريدوه
بِلُغَةِ غيرهم ولو أرادوه لكان ذلك - في حساب المَشَقّات
والجهد - أيْسَر وأدنى، ورَفضُوا أن يكونَ بواحدةٍ من هذه
اللغات الأجنبية التي كانت تُلقي بِظِلِّها الثقيل هنا
وهناك، عَلَى الحياة العربية الناشئة في الشام أو في
العراق أو في مصر أو في غيرها من الأقطار العربية في
الشمال الأفريقي، واتَّجَهُوا به شَطْرَ العربية حتّى
يُزاوِجُوا بين اللغة والفكر، وحتى يجُنِّبوا الأجيال
الناشئة شرَّ هَذا التمزق بين لغةٍ نتحدّث بها ولغةٍ نفكّر
فيها، وحتى يَفُوا للمُثُل التي صَدَرُوا عنها والإيمان
الذي التزموا به.. ولذلك آلَوا عَلَى أنُفسِهمْ أن تكون
العربيةُ أداتَهم التي بها يكتُبُونَ حين يكتبون،
ويُفَكّرون حين يفكّرون، ويُعَلِّمون حين يعلّمون.
وكان عملُهمْ هَذا سعياً وراءَ الخروج بلغتنا العربية من
إطارها الأدبي الذي تجمَّعَتْ فيه في فترةٍ من الزمن،
إِلَى إطارها الفكريِّ والعلمي، الذي يبيح لها أن تكون
أداةً طَيِّعةً في خدمة حضارة هذه الأمة واسْتِئْناف
مُهِمَّتها.
واسمحوا إِلَى أن أعودَ إِلَى الصِراع الحضاري والتَحَدِّي
الحضاري. فنحنُ حين نُناقِشُ الأمورَ انطلاقاً من نفسية
المهزوم. ننسى المهمَّةَ الكبيرة التي أُعِدَّتْ لها هذه
الأمة..
لم يَكُنْ خروجُ العربِّي حينَ خَرَجَ يحمِلُ القرآن إِلَى
أرض الحضارات السابقة خُرُوجاً ذاتياً، بَلْ كانَ إخراجاً
محمولاً بِقُدْرةٍ إِلهية تفوقُ قَدْرتَهُ الذاتية():
]
كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أخْرِجَتْ للنّاس
[...
وقَدْ كانت المهمة التاريخية تَكْمُنُ في استيعاب حَوْضِ
الحضارات باللسان العربي، أي تعريب الحضارات التقليدية، ثم
تقَدْيم الحضارة البديلة التي كُلِّفَتْ هذه الأمة بحملها
إِلَى الدنيا إِلَى الأبد.
وَهَذا هُوَ الذي أُسَمِّيه البُعْدَ الخامس لهذه الحضارة،
إذا كُنّا نُعَبِّر عن المكان بثلاثة أبعاد ونعتبر الزمان
هُوَ البُعْدَ الرابع... البُعْدُ الخامسُ هُوَ ذلك
البُعْدُ الغَيْبيُّ الذي حَوَّل الأمَّةَ الأميّة إِلَى
أُمّة الكتاب والحكمة:
]
بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولاً
مِنْهُمْ يتْلُو عَلَيهم آياتِهِ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ
والحِكْمَةَ وَيُزَكِّيِهمْ
[!
وكانت اللَمْسَةُ الغيبيةُ التي فَجَّرَت الحضارة في هذه
الأمّة كلمةً واحدة : « إقرأ » وهي قراءةٌ مزدوجة كما
تعلمون، فهي رَبّانية التوجيه: « اقرأ باسم ربك »، وهي
عِلْمِيَّةُ الوسيلة
]
اقْرِأُ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ،
الَّذِي عَلَمَ بالقَلَمِ، عَلَمَ الانْسانَ ما لَمْ
يَعْلَمْ[.
ولقَدْ فَقِهَ الأوائِلُ من أبناء هذه الأمَّة تلكَ
المهمَّةَ التي أُخرِجُوا من أجْلها، وعَبرَّ عن ذلك
رِبْعيُّ ابنُ عامر رضي الله عنه في حدِيثهِ إِلَى رُسْتُم
: « الله ابْتَعَثَنا واللهُ جاءَ بنا لِنُخْرجَ مَنْ شاءَ
مِنْ عبادةِ العِباد إِلَى عبادة الله، ومن ضيق الدُنْيا
إِلَى سَعَتها، ومن جَوْر الأديان إِلَى عدل الإسلام »..
ومن ثَمَّ كانت هذه الحضارةُ العالميةُ العظِيمة التي
أخرجت الناس جميعاً من ضيق الدنيا إِلَى سعتها. وكانت
اللغَةُ العربيةُ دائماً قِوامَ هذه الحضارة وأداتَها في
فَهْم هذه المهمة.
والذين يَظُنُّون أن مهمَّتَهُمْ هذه قَدْ انْتَهَتْ،
يستطيعونَ بالطبع أن يُحيلوا أنْفُسَهُمْ عَلَى
التَقاعُد.. ولكنْ عَلَى أن يَكُفُّوا عن التَحَدُّث باسْم
هذه الأُمَّة، لأنَّ تَوَلّيَهُمْ عن مهمة القيادة سرْعانَ
ما يتلوه الاستبدال:
]
وَإِنْ تَتَوَلَّوا يَسْتَبْدِلْ
قَوْماً غَيركُمْ، ثُمَّ لا يَكُونُوا أمثالَكُمْ
[
[سورة محمد:
38]..
أمّا الذينَ هُمْ باقونَ عَلَى عَهْدِ الله،
فَلْيَعْلَمُوا أنَّ « الجهاد ماضٍ إِلَى يوم القيامة »
وأنَّ العربية هي لسانُ هذه الحضارة العالمية التي جاء بها
أجدادُهُمْ مِنْ قَبْل، والتي عَلَيهم أن يَخْرجوا بها
إِلَى العالم من جديد..
وانظُرُوا إِلَى أولئك الذين غَزُوْكُمْ لِيَتَحَدُّوا
حضارتكم هذه العالميةَ بالحضارة الغربية التي
يُمَثِّلونها.. بِمَ بَدَأ غَزْوُهُمْ؟ أليسَ بالجامعةِ
العِبْريَّةِ اللسان في الربع الأول من هَذا القرن.. وما
الذي فعله باراسيلزوس Paracelsus
حين بدأ النهضةَ الطبيةَ الغربيةَ في القرن السادس عشر؟!
ألم يَأتِ بكُتُبِكُمْ، كُتُبِ ابنِ سينا، فَيُحْرِقها
أمام جَمْعٍ حاشدٍ في مدينة بازل، مُحرِقاً معها كُلَّ
صِلةٍ بحضارَتِكُم، ومُضِيئاً مِشْعَل الحضارة الجديدةِ
التي تَتَحَدّاكُمْ، والتي تَتَمَثَّلُ اليومَ في
أرضِكُمْ، بالجامعةِ التي يُعَلِّمُ فيها بالعِبْرِيَّةِ
أساتذةُ الطبِّ العالمي الإنكليزي والفرنسي والألماني
والروسي؟
ما الذي جَرى لعِلْم المسلمين أو قُلْ
What
is
wrong
with
Muslim
Science
كما يقول فرانسيس غايلز Francis
Ghiles
في مقاله القيِّم الذي نشره في مجلة
Nature
قبل عام.. « ما الذي أنْضَبَ رَفْدَهُمُ الهائل للحضارة
الإنسانية في ميدان العلم ولاسيَّما الطب والرياضيات..
يومَ كان حُكّامُهُمْ في أوْجِ حضارَتِهمْ في بغداد
والأندلس يُحيطون أنْفُسَهُمْ بالعلماء والأدباء.. ويوم
وَفَّروا جَوّاً من الحرية سَمَحَ للمسلمين والنصارى
واليَهُود أن يعملوا جنباً إِلَى جنب في إغناءِ هذه
الحضارة.. لم يَبْقَ من ذلك كُلِّه اليومَ إلا ذكريات! ».
وهذه الأُلْهِيةُ الجديدةُ التي يضحكونَ علينا بها « نقل
التِقانة » transfer
of
technology
لِيُلْهونا عن « نَقْلِ العِلْم »! نحنُ لَسْنا في حاجةٍ
إِلَى نَقْلِ عَتادِ
hardware
الحضارة الغربية بل نحن في حاجة - كما يقول تشارلس وَيْس
Charles
Weiss,
Jr.
في مقال نشره في مجلة Science
إِلَى ما دعاهُ «منطاق التقانة»
Software
of
technology.
فالعلمُ ليس منظَّمَةً صناعية ولا مؤسَّسَةً بيروقراطية،
ولكنه ينمو ويَتَرعْرَعِ ويعيش بفضل عَلائقِ بني الإنسان
وتعاوُنِهِمْ وتَنافُسِهِمْ.. ولن يتأتَّى لهذه العَلائق
المتبادَلة أن تكون، ما لم يساهم الطبيبُ العربي والعالِم
العربي في تَقَدُّم العلوم، ولَنْ يفعلَ ذلك ما لم
يُفَكّرْ بِلُغَتِهِ ويُعَلّمْ بِلُغَتِهِ ويَبْحَثْ
بِلُغَتِه، وإلا فسَنَبْقَى مُسْتَوْرِدِينَ للحضارة
مُكَدِّسينَ لمنتوجاتها إِلَى الأبد.
لقَدْ دَفَعَني عَمَلي الذي أضْطَلع به اليوم، إِلَى
الاطِّلاع عن كَثَبٍ عَلَى تعليم الطب في الجامعات
المصرية، فرأيتُ أُستاذاً يستعملُ لغةً لا يعرِفُها،
لِيَنْقُلَ العِلْمَ الطِبّيَ إِلَى طالب لا يعرِفُ أيضاً
هذه اللغة!
إن مستوى تعليمِ اللغة الأجنبية في المدارس الثانوية مستوى
تعيسٌ كما تعلمون.. أما المدرِّسون في كليات الطب، فَقَد
أصبَحَتْ كَثْرَتُهمُ الكاثِرَةُ تُتابعُ الدراسةَ
العُلْيا في مصر، فلا يخرُجُ الواحدُ منهم أبداً إِلَى
بلدٍ إنكليزي اللسان، وإنَّما زادُهُ من اللغة الانكليزية
بَقايا ما تَعلَّمهُ في المرحلة الثانوية، مع ما ارْتَكَمَ
فوقَه من كلامِ أساتذته من بني جِلْدَتِهِ الذين
يَرْطنُوُنَ بِلُغَةٍ غير لُغَتِهمْ. فَكَمْ مِنَ المحتوى
الطبيِّ يستطيعُ هَذا المدرِّس أن ينقلَ إِلَى تلميذه خريج
الدراسة الثانوية؟
وَهَذا الذي سُقْتُهُ مثالاً، لا يقتصرُ عَلَى مصرَ وحدَها
بالطبع، فما رأسُ مالِهِ من اللغة، بأقلَّ من ذاك الذي
يأْتي به أحدُ أبناءِ أعراب القصيم أو جبال الأوراس...
فَلِمَصْلَحَةِ مَنْ هَذا التجهيل؟
وكَمْ مِنَ الأطباء الخرّيجين يُتابعُ العلمَ بعد
تَخرُّجِهِ في مجلةٍ أجنبية؟ أستطيعُ أن أجيبَكُمْ عن هَذا
السؤال بِيَقِين، فأنا اليوم مسؤول عن المكتبة والمطبوعات
الطبِّية في هَذا الإقليم... وأقول لكم إنَّ نِسْبَتَهُمُ
المئويَّة لا تتعدَّى خمسةً في المئة في أحسن الظروف. ثم
يقولون لنا إنَّنا نُعَلِّمُ الطالبَ بالإنكليزية أو
الفرنسية أو الإيطالية حتّى يستطيعَ متابعةَ الرَكْبِ
العلميِّ بعدَ تَخرُّجِهِ... فأيُّ رَكْبٍ هَذا؟
لقَدْ عُلِّمَتِ العلومُ في السنة الإعدادية للطب باللغة
العربية سنةً واحدة، في كلية العلوم بالجامعة الأردنية،
فانخفضَ عددُ الراسبين من خمسة وثلاثين بالمئة إِلَى ثلاثة
بالمئة، وارتَفَعَتْ معدَّلاتُ الناجحين.. ويبدو أن ذلك
كان في نَظَرِ بعضِهِمْ دليلاً عَلَى سُوءِ الاستيعابِ لدى
الطلاب، فعادوا بالتعليم إِلَى الإنكليزية لأن كثرةَ
عَدَدِ الناجحين دليلٌ عَلَى سوءِ الفَهْم وسوء التعليم!!
إنَّ الظاهرةَ العظيمةَ في تطوُّرِ تاريخ العلوم من
الناحية الاجتماعية، هي في ديمقراطية المعرفة، ومُشارَكَةِ
الشعب بجميع طبقاته في التَعَلُّم والتعليم، ولم يَكُنْ من
الممكن أن يَتِمَّ ذلك لولا استخدام اللغةِ الوطنية أداةً
للتَفاهُمِ بين الجميع.
فديمقراطيةُ العِلْمِ نتيجةٌ حتميةٌ لاستخدامِ اللغة
الوطنية. وإصرارُ الجامِعِيين عَلَى استخدام لغةٍ خاصةٍ
بهم لا يفهمُها غيرُهُمْ، هُوَ تعبيرٌ نفسيٌّ عن الشعور
بالتَمَيُّز وإشعارٌ للآخرينَ به، وَهُوَ يعني التَرفُّع
عن المجتمعات التي إليها يَنْتَمُون
().
وقَدْ استهدف الاستعمارُ، من استخدامِ اللغةِ الأجنبية، في
التدريس الجامعي، وفي كليات العلوم التطبيقية بشكل خاص،
إقامَة حواجز تَقضي عَلَى مبدأ تكافُؤ الفُرَص في التعليم
العالي.
ثم إنَّنا ننادي اليوم في جميع أرْجاء العالم بشعار «
الصحة للجميع بحلول سنة ألفَيْن »، وقِوامُ ذلك « الرعايةُ
الصحيةُ الأوَّلية »، وهذه لا تقوم إلا عَلَى أساسٍ متينٍ
من مُشارَكَةِ المجتمَع مُشارَكةً كاملة.. فكيف
سَنُعَلِّمُ المجتمعَ الثقافة الصحية والطبية؟
سَيَطُولُ انتظارُ الجامعيينَ حتّى يفهمَهُمْ ويتعاوَنَ
معهم مستمعون يؤلّفون الكثرة الساحقةَ من مُواطنيهم
الأُميين.. إن كانوا سَيُحَدِّثونَهمْ بغير لُغَتِهِمْ!
وسيَبْقَى العلم للجامعيين تسليةً ومُتْعَةً شخصية إذا لم
يستهدِفْ خدمةَ المواطنين!
والتزامُ قَواعِدِ الصحة لا يمكن أن يَتِمَّ بالتخويفِ من
لَعْنَةِ المرض، ولا يمكن لأيِّ حملةٍ من حَمَلاتِ
المكافحة أن تَنْجَحَ إلا إذا شارَك بها وتَحمَّسَ لها
أولئك الذين نعملُ لخلاصِهِمْ من المَرَض والتَخلُّف..
وقُلْ مثلَ ذلك في حقولِ الزراعة والصناعة وفي كُلّ
المجالات.
وفي البلاد العربية جميعاً مشكلةُ الفُصْحَى والعامّية،
فإذا أضَفْنا إِلَى ذلك لغةً أجنبيةً يتكلَّمُ بها
الجامعيُّون العِلْمِيُّون، كانَ الحوارُ والتفاهُمُ غيرَ
ممكن بين أبناء الأمة الواحدة، أوْ هُوَ يتمُّ في ثلاثة
مُسْتَوَيات، فإقرارُ العربية لغةً للعلوم يُمَهِّدُ
لإذابة الحَواجز بين المتعلِّمين والجماهير.
وبعدُ فليسَ يعني التعليمُ بالعربية إضعافاً لتعليمِ
اللغاتِ الأجنبية عَلَى الإطلاق.. هذِهِ بُرْدَةٌ حمراءُ
أخرى يَنْطَبِقُ عَلَيها مُجدَّداً أسلوبُ المستعِمرِ في
مصارعة الثيران.
ونَعَمْ، لدينا أجيالٌ كاملةٌ عاجزةٌ عن فَهْمِ أي لغة
أجنبية. ولكنَّ العجزَ في هذه الحالة ليس ناتجاً عن
الاعتزاز باللغةِ القومية أو التعليم بها، وإنما هُوَ
نتيجة إخفاقٍ طويل الأمد في السياسة التعليمية. هذه
الأجيالُ لَنْ تستطيعَ أن تكْتَسِبَ من الثقافة العالمية
اكتساباً صحيحاً كامِلاً إلا ما يُنْقَلُ إليها
مُعَرَّباً، أي إن التعريبَ هُوَ نافذتُها الوحيدة للإطلال
عَلَى العالم.
وثَمَّ بُرْدَةٌ حمراءُ أخرى هي موضوع التَخَصُّص
العالي... فالتعليمُ بالعربية يَسْتَلْزِمُ كما يقولون أن
يقضيَ خِرِّيجُ كليةِ الطبِّ سنةً أو أكثر لإتقانِ اللغة
الأجنبية قبل دراسة الاختصاص وفي هَذا وقتٌ وجهدٌ ضائعان..
ولكنَّ خريجي الجامعات التي تُدَرَّسُ فيها العلومُ الطبية
بلغةٍ أجنبية يحتاجون إِلَى مثل ذلك، فدراستُهُمْ بلُغَةٍ
أجنبية لا تعني أنهم أتقنوا اللغة، وما يُقبَلُ منهم في
بلادنا من لغةٍ أجنبية لا يُقبَلُ في البلد الأصلي لهذه
اللغة الأجنبية، وأوراقُ الامتحان التي اطَّلَعْتُ عَلَيها
في بعض جامعاتنا التي تدرّس بِلُغةٍ أجنبية ويَنْجَحُ
كاتبوها، لو أنَّها كُتِبَتْ في البلد الأصلي لِهَذا اللغة
الأجنبية لكان إعطاؤُها الصِفْر صَدَقَةً من الصَدَقات.
ومع ذلك، فانه ليس منطقياً ولا جائزاً، أن نُهمِلَ
لُغَتَنا من أجلِ حاجة فئةٍ محدودةٍ مِمَّنْ يرغبون في
الاختصاص، وفي فروعٍ قَدْ تَتَبدَّلُ فيها مراكز الثِقَلِ
بين عامٍ وآخر تبعاً لعديدٍ من الظروف، فلا تَتَّفق مع
اللغة الأجنبية التي درسوا بها!
ومِنْ فِخاخ « نفسية اليَدِ السُفْلى » التي ينصبها
الاستعمار، موضوع الترجمة. فَمِنَ الناس من يقول إن تعليم
الطب بالعربية يصبحُ ممكناً متى تمَّ تأليفُ عددٍ كافِ من
المراجع بالعربية أو ترجمتها، ومتى صَدَرَتْ مجلةٌ واحدة
عَلَى الأقل تُتابعُ الرَكْبَ العلميَّ المُتَطَوِّر.. أو
مجلات.. ومتى تمكَّن المدرِّسُ من اللغة العربية فأصبحَ
يحسن الحديث بها.. ومتى تهيّأت المصطلحات اللازمة
للترجمة.. وكفى الله المؤمنين القتال!
فما الذي فَعَلَهُ السادةُ الداعون بهذه الدعاية، من أجل
الترجمة أو المصطلحات أو تقوية اللغة؟ يكفي أن نتحدَّثَ
بلسان الحقّ، أما الواجب فَهُوَ من شأن غيرنا في كُلّ
مجال!.
أريد أن أقرأ عليكم فقراتٍ من رسالةٍ مفتوحةٍ وَجَّهها
الكاتبُ العربيُّ الكبير الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه
الله قبل أربعين عاماً إِلَى وزير المعارف المصرية في ذلك
الحين؛ قال فيها:
«.. والأدبُ العربي قاصرٌ في بيانه، لأنه مقطوعُ الصلة
بحضارة العصر، فلا يستطيعُ أقْدَرُ كتّابنا أن يتحدَّثَ
عَمّا يستعملُ من ماعونٍ وأثاث، ولا أن يَصِفَ ما يركَبُ
من باخرةٍ أو طائرة. ومجمعُنا اللغوي عَلَى ما نرى من
نشاطِهِ لن يُقَدِّمَ إِلَى الناس معجمَه المنتظر إلا بعد
جيلٍ أو جيلَيْن، حين يكون كُلُّ شيءٍ في العالم قَدْ
تغيّر أو تَطَوَّر، فيصبح معجمهُ في الجِدَّةِ يومئذٍ
كمعجم « لسان العرب » اليوم! والزمان يُسرع، والعالم كله
يجِدّ، والساري عَلَى مركب العجز لا يلحق، والبيانُ
القاصِرُ نصفُ الخَرَس، واللغةُ الناقصةُ ثلاثةُ أرباعِ
الجهل..
« وما قلناه في اللغة والأدب نقولُهُ في العلم والفن،
فَإنّ ما في العربية منهُما لا يعدو في الغالب أن يكون
مُلَخَّصاتٍ مجهولةَ النَسَب، أو مُقْتَبَساتٍ قليلةَ
الغَناء.. وما دام الأمرُ كذلك، فسيظلُّ اللسانُ العربي
والعقلُ العربي محصورَيْن في حدود القرون الوُسْطى لا
يُواكِبان الحياة ولا يُسايِران تَقَدُّمَ الفكر...
« إنَّ العلومَ اليومَ أوروبية وأمريكيةٌ، ما في ذلك شك،
وإن الفروقَ التي باعَدَتْ بين الشرق والغرب في مدلولِ
الإنسانية الراقية إنما يجمعُها كلها لفظُ العلم. وَهَذا
العلم الذي يسخِّر السماواتِ والأرضَ للإنسان الضعيف،
ويُذَلّلُ القطعانَ الملايين للراعي الفرد، سيبقى غريباً
عنا ما لم نَنْقُلْهُ إِلَى ملكنا بالتعريب، ونُعَمِّمْهُ
في شعبنا بالنَشرْ، ولا يمكن أن يَصِلَنا به أو يُدْنِينا
منه كثرةُ المدارس ولا وفرةُ الطلاب، فإنَّ مِنَ المُحالِ
أن نَنْقُل الأمَّة كُلَّها إِلَى العلم عن طريق المدرسة،
ولكنَّ من المُمْكِنِ أن نَنْقُلَ العلمَ كُلَّه إِلَى
الأمة عن طريق الترجمة!
« فالترجمةُ إذَنْ هي الوسيلةُ الأولى لدَفْع القصور عن
اللغة، وسَدِّ النقص في الأدب، وكشفِ الظلام عن الأمة..
لذلك أرى أن تُنْشَأ دارٌ للترجمة مستقلَّة.. يكونُ لها من
جَلالَةِ القَدْر وَنَباهَةِ الذِكْر ما للجامِعَتَيْن..
ثم يُختارُ لها مئتان عَلَى الأقل من المترجمين النابغين
في لغتهم وفي اللغات الأوروبية الثلاث، ينقُلون الآداب
الأجنبية نقلاً كاملاً صحيحاً، فلا يَدَعُون عَلماً من
أعلام الأدب والعلم والفن والفلسفة إلا نقلوا كتبه
ونشروها... فإذا فَرَغَتْ من ترجمة الموجود فُرِّغَتْ
لترجمة المُسْتَجِدّ، فلا يكون بين ظهور الكتاب في أوروبة
وظهوره في مصر إلا ريثما يُتْرجَمُ هنا ويُطبعُ... عَلَى
أن ما يُنْفَقُ في سبيل هَذا العمل العظيم يَقِلُّ مهما
كَثُرَ في جانب ما يؤتيه من تجديد اللغة، وتطعيمِ الأدب،
وتعريبِ العلم، وتعميمِ الثقافة، وتدعيمِ النهضة، وتيسيرِ
القراءة، وتشجيع القارئ...».
فَهَلْ يفيدُ هَذا النداءُ الذي تفضَّلتْ مجلةُ الدوحة
الغرّاء بإعادة نشره.. هل يفيدُ هَذا النداءُ اليومَ بعد
أن عَجزَ هَذا النداءُ نفسه أن يجد صداه سنة خمس وأربعين؟
أما المصطلحاتُ الطبية فَقَد بَدَأ اتّحادُ الأطباء العرب،
ثم مجلسُ وزراء الصحة العرب والمكتبُ الاقليميُّ لمنظمة
الصحة العالمية، مسيرةً من مُنْطَلَق اليد العليا والنهوض
بالواجب، بإصدار « المعجم الطبي الموحَّد » الذي قامت
باعداده لجنةٌ تَضُمُّ طائفةً من الذين يجمعون بين
الاختصاص الطبي المكين والتَمَكُّن من لغة الضاد، وقَدْ
عَهدَ أفرادُ اللجنة إِلَى أضْعَفِهِمْ وأقلِّهِمْ شأناً -
وَهُوَ هَذا العاجزُ الذي يتحدَّثُ إليكم - أن يكون
مُقَرِّرَها.. وصدرت الطبعة الثالثة من هَذا المعجم قبلَ
أشهرُ وَهُوَ يَضُمُّ قُرابةَ خمسة وعشرين ألف مصطلح
باللغات العربية والإنكليزية والفرنسية، واسْتَغْرَقَ
إعدادُهُ أربعَ سنينَ دَأباً.. ولو أنهم اختاروا غيري
ليكون المُقَرِّرَ لاسْتَغْرَقَ العملُ أقلَّ من ذلك..
وقَدْ بدأنا اليومَ مشروعاً لإيصال عددِ الكلمات إِلَى
خمسةٍ وستين ألفاً، ونرجو أنْ لا يطولَ العملُ في ذلك
كثيراً إن شاء الله. وقَدْ كنتُ أتمنَّى أن يُتاحَ لي من
الوقت ما يسمحُ لي بتقَدْيم فكرةٍ عن هَذا العمل ولكنني
أمْلَلُتكُمْ بما يكفي وصَدَّعْتُكمْ.
كُلُّ ما أرجوه في خاتمة هَذا الحديث أن نَضَعَ يَدَنا
دائماً عَلَى حقيقة المشكلة، وأن لا نَضِيعَ في مَتاهات
تَنْأى بنا عن جَوْهَرِ القضيَّة، فَقَد رأيتُ كثيراً ممن
يَتَصِدَّى لعلاج القضايا أبعدَ ما يكون عن معرفة حقيقة ما
يعالج... وقَدْ رُويَ أنَّ إبراهيم النظّام المعتزلي قال
لرجل: « أتعرف فلاناً المجوسي؟ قال: أجل أعرفه! ذاك الذي
يحلق وسَطَ رأسه مثل اليَهُود! فقال النظّام: لا مجوسياً
عرفت ولا يَهُودياً وصفت! ».
واسمحوا لي أن أستعيد في ختام كلمتي، ما قاله الأخ الكريم
الأستاذ الدكتور شكري فيصل، وَهُوَ يُرَحِّبُ بي عضواً في
مجمع دمشق سنة ستٍّ وسبعين:
«... إنها ظروف قاسية، تطارِدُ فيها رائحةُ الدم كُلَّ
وشائج القُربى، وتغيبُ في الساحة العربية العقيدةُ
الجامعة، ويُنسى التاريخ المشترك، وتُغطِّي العيونَ
غشاواتٌ من الأهواء تحُولُ بينَنا وبين رؤية المصير الأليم
الذي ننزلق فيه أو نُوْشك!
لم يَبْقَ من نسيج الحياة العربية الموحَّدة إلا هذه
الخيوط من اللغة، وما تقود إليه وحدة اللغة من وحدة الفكرِ
والتَطَلُّع...».
« وحتى هذه اللغة يحتاطُها كثيرون من الذين لا يؤمنون بها،
والذين يكيدون لها، والذين يجهلون أو يتجاهلون الأبعاد
البعيدة لآثارها...»
« لم يَبْقَ إذَنْ في ساحات العمل المثمر - في هذه
الغَمَرات - إلا هؤلاء الذين يؤمنون بلغتهم عَلَى أنها
المَعْبَرُ الوحيد للإيمان بالوجود العربي والحفاظ عَلَيه
والدفاع عنه ».