|
المقالة الافتتاحية عن السلامة على الطرق السلامة على الطرق: عواقب التجاهل الدكتور حسين الجزائري*، الدكتور هشام السيد**، الدكتور سيد جعفر حسين***، الدكتورة هالة إبراهيم صقر**** * الدكتور حسين عبد الرزاق الجزائري، المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط. ** الدكتور هشام السيد، أستاذ طب الأطفال ومدير وحدة الوبائيات السريرية، كلية الطب، جامعة قناة السويس، الإسماعيلية، مصر (email: heshamel2002@yahoo.com) *** الدكتور سيد جعفر حسين، موظف طبي في مجال الوقاية من الإصابات والعنف، المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط. **** الدكتورة هالة إبراهيم صقر، موظفة تقنية في مجال الوقاية من الإصابات والعنف، المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط. |
|
|
| Volume 10, No. 3, May 2004, Pages 256 - 259 |
|
وفي إطار تزايُد التجاوب مع الأزمة العالمية للسلامة على الطرق، خصَّصت منظمة الصحة العالمية ليوم الصحة العالمي لعام 2004، الذي يُحتفل به في 7 نيسان/أبريل من كل عام، موضوع (( منع الإصابات الناتجة عن حوادث المرور )). ويؤكد شعار هذه السنة، وهو (( السلامة على الطرق لا يجوز أن تترك للمصادفة ))، على أن إصابـات الطُرُق لا تقع بمحض الصدفة. فمثل هذه الحوادث من الممكن توقُّعها بل واتِّقاء حدوثها. كما أن التفكير التقليدي حول مفهوم ((الحوادث)) قد تغيَّر تغيُّراً كبيراً، حيث إن الإصابات على الطُرُق قد أصبحت واحدة من أهم قضايا الصحة العمومية في القرن الحالي. إن يوم الصحة العالمي 2004 فرصة مهمة لتوضيح خطورة هذه القضية، ولشرح الحقائق المساهمة في إيجاد هذه المشكلة، سعياً لتقوية الجهود الجماعية المبذولة لكبح جماح الوباء المتنامي من إصابات حوادث الطرق. ومع كل يوم تغرب شمسه يموت نحو 3000 شخص ويصاب نحو 100 ألف آخرين على الطرق في العالم. إن هذه الخسارة الثقيلة يدوم أثرها أطول مما نتخيَّل، بل كثيراً ما يدوم إلى الأبد. ولتكريم هؤلاء الملايـين الذين يلقون حتفهم أو يصابون من جرَّاء حوادث الطرق في العالم، يحتفل العالم في يوم الأحد الثالث من شهر تشرين الثاني/نوفمبر من كل عام باليوم العالمي لإحياء ذكرى ضحايا حوادث الطرق. ولاحتفال هذا العام أهمية خاصة، إذ إن قضية السلامة على الطرق أصبحت تلقى قدراً أكبر من الاهتمام بعد سنوات طويلة من التجاهل. وقد شهدت حملة يوم الصحة العالمي أيضاً صدور التقرير العالمي عن الوقاية من الإصابات الناجمة عن حوادث المرور، الذي شارك في إعداده منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي، والذي يركِّز على الدور الخاص للصحة العمومية في اتِّقاء هذه الحوادث، ويقدَّم وصفاً لحجم هذه الإصابات وعوامل الخطر المتعلقة بها وطُرُق اتِّقائها [1]. ومن الجهود الجديدة للتقليل من العبء العالمي المترتِّب على الإصابات على الطُرُق، ما صدر من قرارات من الجمعية العامة للأمم المتحدة وجمعية الصحة العالمية. ففي نيسان/أبريل 2004 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً برقم (58/289) حول "تحسين السلامة على الطرق في العالم" [1]، دَعَتْ فيه منظمة الصحة العالمية إلى القيام بدور المنسِّق، بالتعاون مع اللجان الإقليمية للأمم المتحدة، حول قضايا السلامة على الطرق داخل منظومة الأمم المتحدة. وفي أيار/مايو 2004، قبلت جمعيـة الصحـة العالميـة دعوة الأمـم المتحـدة، وذلك في قرارهـا ج ص ع10.57 حول (( السلامة على الطرق والصحة )) [2]. وقد يتساءل البعض عن سبب تسنُّم منظمة الصحة العالمية والقطاع الصحي موقع القيادة في قضية مثل السلامة على الطرق، والتي كانت تعالج تقليدياً من قِبَل قطاعَيْ الشرطة أو النقل. فمن الواضح أن الإصابات على الطُرُق تمثِّل مشكلةً صحيةً كبيرة قوبلت لفترة طويلة بالتجاهل، كما أن العاملين الصحيِّين هم الذين يشهدون عواقبها البشعة التي يمكن تجنُّبها [2]. كما أن بإمكان القطاع الصحي بفضل فعاليته في إنتاج حقائق علمية مُسْنَدة بالبيِّنات، أن يشارك بفعالية أيضاً في اكتشاف مداخلات فعَّالة للتقليل من عبء المشكلة. إن الإصابات على الطُرُق على الصعيد العالمي تحصد أرواح حوالي 1.2 مليون إنسـان سنويـاً، وتتـرك حوالـي 20 مليون إلى 50 مليون مصاب أو معوق. فإصابات الطُرُق مسؤولة عن 2.6% من جميع ما يُفقد من سنوات العمر المصحَّحة باحتساب مدد العجز (DALYS) وعن 2.1% من الوفيات في العالم. ومن المؤسف أن نحو 50% من هذه الوفيات تقع بين الشباب الذين يتراوح عمرهم بين 15 و44 عاماً، وهي أكثر سنوات العمر إنتاجاً [1]. ويقع حوالي 90% من الوفيات الناجمة عن حوادث الطُرُق في الدول المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل. وتعاني هذه الدول، منذ الثمانينات، من زيادة معدل الوفيات الناتجة عن إصابات الطُرُق، على العكس من معظم الدول المرتفعة الدخل التي أظهرت تناقصاً في عدد الوفيات الناتجة عن السبب نفسه [1]. وإذا بقيت الاتجاهات الحالية كما هي، فبحلول عام 2020 سوف تقل الوفيات الناتجة عن إصابات الطُرُق بحوالي 30% في الدول المرتفعة الدخل، بينما ستزيد الوفيات على الصعيد العالمي بسبب هذه الإصابات بنسبة 60%، مما يظهر الزيادة الكثيفة في الحصيلة السنوية للوفيات والإعاقات الناتجة عن إصابات الطُرُق في الدول المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل [3]. وإلى جانب الخسائر الإنسانية المفجعة، فإن الخسائر الاقتصادية الناتجة عن إصابات الطُرُق خسائر باهظة. وتشير التقديرات إلى أن الخسائر الاقتصادية تشكِّل حوالي 1% إلى 2% من الناتج الوطني الإجمالي لمختلف البلدان، إذ تصل إلى حوالي 520 بليون دولار أمريكي على الصعيد العالمي، منها حوالي 65 بليون دولار تتحملها البلدان النامية، وهو رقم يزيد على ما تتلقَّاه هذه البلدان من معونات إنمائية سنوياً [4]. وقد ازداد عدد الوفيات الناتجة عن إصابات الطرق ازدياداً مطّرداً في إقليم شرق المتوسـط خـلال العقـد الماضـي ]5، 6[. ففي عام 2002، كانت نسبـة الوفيـات الناتجـة عن الإصابات في الطـرق حوالـي 26.4 حالـة وفـاة لكـل 000 100 نسمة، وهي تُعَدُّ ثاني أعلى نسبة في العالم بعد الإقليم الأفريقي [7]. وهناك أسباب عديدة للعدد الكبير من الضحايا في إقليم شرق المتوسط. فالعبء الكبير لإصابات الطُرُق الموزَّع على مستخدمي الطريق الأكثر عرضة للإصابة – من مشاة وأطفال وسائقي دراجات هوائية ونارية ومستخدمي وسائل النقل العام – هو الخاصية المشتركة بين معظم دول الإقليم. ويتحمَّل المشاة نصف عبء الوفيات الناتجة عن حوادث الطرق [8]. كما أن الخدمات الصحية الطارئة والمرافق الطبية غالباً ما تكون منخفضة الجودة. وعادةً ما تكون أحوال الـمَرْكَبَات والوسائل الوقائية المتاحة فيها أقل من المعايير المعمول بها عالمياً. ويعتبر أيضاً تزاحم السيَّارات وسوء البـِنْيَة التحتية للطرق من أهم العوامل المسبِّبة للحوادث [9]. وتتجلَّى المخاطر الناتجة عن الزحام الشديد في معظم البلدان المنخفضة الدخل في الإقليم، حيث من المألوف أن نرى الناس، ولاسيَّما أطفال المدارس، يجلسون فوق أسطح وسائل النقل العام والحافلات وليس في داخلها. ولقضية السلامة على الطرق أبعادٌ أخرى اقتصادية واجتماعية. فهي أيضاً قضية مساواة تتصل بالعدالة الاجتماعية. وقد أظهرت الدراسات أن الأفراد المنتمين للفئات الاجتماعية والاقتصادية المحرومة من الخدمات، الذين يعيشون في المناطق الفقيرة، أكثر تعرضاً من غيرهم لخطر الوفاة أو الإصابة نتيجـةً لحوادث الطرق. كما أن الفقـراء لا يمكنهم تحمُّل نفقات الرعاية الصحية في المرافق الصحية الخاصة الأكثر تطوُّراً. وهكذا، إذا أُصيب رب الأسرة بالعجز أو لقي حتفه، تزداد الأسر فقراً إلى فقرها [10]. وفي السنوات الأخيرة تزايَد الوعيُ بتفاقم مشكلة إصابات الطُرُق في بلدان إقليم شرق المتوسط. وتبذل هذه البلدان جهوداً حثيثة لمعالجة القضية على مستويات مختلفة [2]. ومع ذلك فإن هناك تحدِّيات أخرى عديدة تتصل بإصابات الطرق ينبغي التصدِّي لها. أحد هذه التحدِّيات في الإقليم هو انخفاض جودة المعطيات المتعلقة بهذه الإصابات. وحتى لو أُتيحت بعض المعطيات في أحد المستويات، فقد يوجد تناقض واضح بين المعطيات التي تصدرها مختلف القطاعات المسؤولة عن تسجيل إصابات الطرق والإبلاغ عنها. ولذلك فالحاجة ماسَّة إلى تقييم الوضع الفعلي في مختلف البلدان على أرض الواقع. ويعتبر تجميع المعلومات وإجراء البحوث حول عوامل الخطر المختلفة المرتبطة بإصابات الطُرُق من المسؤوليات الرئيسية للقطاع الصحي في هذا الإطار [2]. ومن الواجب تكوين قاعدة معارف مُسْنَدَة بالبيِّنات، وإذكاء الوعي حول الحجم الحقيقي للمشكلة، كخطوة أولى في سبيل تمكين البلدان من وضع استراتيجيات والقيام بمداخلات فعَّالة ومضمونة الاستمرار، لمنع الإصابات الناجمة عن حوادث الطُرُق. وينبغي أن تكون هذه الاستراتيجيات والمداخلات ملائمة للأوضاع والاختلافات الموجودة بين بلدان الإقليم في ما يتعلق بالجوانب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. كما أن مثل هذه الاستراتيجيات يجب أن تحتوي على سُبُل المتابعة النظامية لأنشطة تنفيذ وتقييم المداخلات التي يتم اتخاذها. ويستلزم موضوع تحسين السلامة على الطرق التزاماً سياسياً قوياً، ومنحه أولوية من الحكومات على جميع المستويات، بمساعدة الأطراف المعنية، سواء من القطاع العام أم الخاص. فالأسلوب المتعدِّد القطاعات في غاية الأهمية، كما ينبغي تحديد جهة أو هيئة واحدة تتولى التنسيق بين الجهود المبذولة من مختلف القطاعات. وتعتبر مشاركة القطاعات الرئيسية كالصحة والنقل والتعليم والشرطة والمالية وسائر الأطراف المعنية أمر حيوي. ويجب أن توضع تحت تصرُّف هذه الهيئة المنسِّقة كلُّ الموارد اللازمة، وأن تكون عُرضة للمحاسبة والمساءلة. وفي إطار العمل على تهيئة بيئة وثقافة تتَّسم بالوعي بأهمية السلامة والأمان، ينبغي أن تتضمن جهود تعزيز السلامة على الطرق حماية مستخدمي الطرق الأكثر عرضة للإصابة. كما ينبغي أن تشمل أية حلول شاملة ومضمونة الاستمرار إنشاء بيئة مرور أقل تعريضاً للجميع إلى الخطر، ولاسيَّما الفئات الأكثر تعرُّضاً للمخاطر. ولا غنى أيضاً عن سنِّ التشريعات الملائمة في هذا الشأن، ولو أن القوانين في حَدِّ ذاتها لا تجدي نفعاً إلا إذا اقتنع الناس بأنها سوف تنفَّذ تنفيذاً حاسماً. فموقف القائمين على تنفيذ القانون في هذا المجال حيوي جداً، إذ عليهم أن يكونوا هم أنفسهم قدوة في الالتزام بهذه القوانين [2]. أما الجهود الرامية إلى تهيئة مناخ مروري ملائم لجميع شرائح المجتمع فلا ينبغي أن تقتصر على فعالية واحدة أو نشاط واحد يتم تنفيذه مرة وحيدة، وإنما ينبغي أن تكون جزءاً من عملية نظامية مستمرة. ومن المهام المهمة أيضاً تحسين الرعاية التي تسبق وصول المصابين في الحوادث إلى المستشفى وتحسين رعاية إصابات هؤلاء المصابين. فمن الممكن إنقاذ أرواح كثيرة إذا توافر العلاج المناسب التالي للحادث في منشآت تتمتع بالتنسيق الجيد ومجهَّزة بمعدات جيدة. ويجب أن لا يُنظر إلى يوم الصحة العالمي على أنه مجرد يوم يُحتفل به، وإنما هو يوم يجسد الالتزام بمبدأ، والتفاني من أجل تحقيق هدف، والأمل في مستقبل أفضل. لقد حان وقت العمل. أما نحن فيجب علينا أن نعمل سوياً نحو التزام أكثر على الصعيد العالمي والإقليمي وعلى صعيد البلدان من أجل اتِّقاء الوفيات الناجمة عن الحوادث التي تقع على طُرُقنا ومن أجل احتواء وباءٍ متنامٍ يسهل تجنُّبه. المراجع |
|
1. Peden M, Scurfield R, Sleet D, Mohan D, Hyder AA, Jarawan E, Mathers C, eds. World report on road traffic injury prevention. Geneva, World Health Organization, 2004. 2. World Health Day 2004: Road Safety is No accident. A Resource Document for the WHO Eastern Mediterranean Region. Cairo, WHO Eastern Mediterranean Regional Office, 2004. 3. World Health Day 2004: Road Safety is No accident. Geneva, WHO, 2004. 4. Jacobs G, Aeron-Thomas A, Astrop A. Estimating global road fatalities. Crowthorne, UK, Transport Research Laboratory, 2000 (TRL Report, No. 445). 5. Bener A et al. Strategy to improved road safety in developing countries. Saudi medical journal, 2003, 24:447–52. 6. Ghaffar A, Hyder AA, Masud TI. The burden of road traffic injuries in the developing world: the first national injury survey of Pakistan. Public health, 2004, 18:211–7. 7. WHO Global Burden of Disease Project (GBD), 2002, Version 1. 8. Downing AJ, IA Sayer, Zaheer-ul-Islam M. Pedestrian safety in the developing world. Asian Road Safety Conference, Kuala Lumpur, Malaysia, 25–28 October 1993. Crowthorne, UK, Transport Research Laboratory, 1993. 9. Hamam AM, El-Sayed HF. Injury in Egypt: ‘the hidden epidemic’. Trauma quarterly, 1999, 14(3):261–7. 10. Nantulya VM, Reich MR. Equity dimensions of road traffic injuries in low- and middle-income countries. Injury control and safety promotion, 2003, 10(1/2):13–20. |